تعيش إيران واحدة من أسوأ أزماتها البيئية في تاريخها الحديث. بلد الحضارات القديمة والأنهار الأسطورية مثل كارون وزايانده رود، أصبح اليوم مهدداً بالعطش الشامل، وسط تحذيرات خبراء البيئة والسياسة بأن أزمة المياه قد تتحول إلى تهديد وجودي للدولة والمجتمع معاً.
تقع إيران في نطاق مناخي جاف إلى شبه جاف، وتغطي الصحارى نحو ثلثي أراضيها. منذ مطلع الألفية، شهدت البلاد انخفاضاً حاداً في معدلات الأمطار بنسبة تتراوح بين 25% و40% مقارنةً بمتوسط القرن الماضي، فيما ارتفعت درجات الحرارة بما يقارب درجتين مئويتين خلال العقدين الأخيرين.
تسببت هذه التغيرات في تبخّر سريع للمياه السطحية وجفاف بحيرات كانت رموزاً طبيعية وسياحية، مثل بحيرة أرومية شمال غرب البلاد، التي تقلصت مساحتها بنسبة 90% منذ العام 1995.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية
لم تعد أزمة المياه في إيران مجرّد قضية بيئية، بل تحوّلت إلى مسألة اقتصادية وسياسية حادة.
اقتصادياً: يعاني قطاع الزراعة من انخفاض الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الاعتماد على الاستيراد. المصانع والشركات في طهران تتأثر بانقطاعات الكهرباء الناتجة عن نقص المياه، ما يهدد باستمرارها. كما تواجه مشاريع البناء صعوبات بسبب محدودية المياه، وهو أمرٌ يؤثر على التنمية العمرانية والتوظيف.
سياسياً: أصبحت المياه محور صراع داخلي. الاحتجاجات الشعبية ضد نقل المياه أو انقطاعها ازدادت، مع مطالبات بالعدالة ومحاسبة المسؤولين. وهنا، يُتهم النظام بتوزيع المياه بطريقة تفضيلية بين المحافظات، فيما تشير تقارير إلى شبكات نافذة داخل السلطة تتحكم في منح تراخيص الحفر وتحويل المياه، الأمر الذي يفاقم شعور سكان العاصمة بالغضب والاستياء.
يوم “الصفر المائي” يقترب
يُحذّر خبراء متخصصون، من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”يوم الصفر المائي” في العاصمة طهران، حيث تُوزع المياه على المناطق بالتناوب، وفي بعض الحالات قد لا تصل أصلاً إلى المنازل عبر الصنابير، ما سيجبر السلطات على الاعتماد على صهاريج ومنافذ عامة لتوفير المياه للسكان.
في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان وشيراز، باتت المياه تنقطع بانتظام. السدود الكبرى فقدت أكثر من نصف طاقتها التخزينية، مع تسجيل عدد منها، وفق تقارير أجنبية، مستويات ملء تقل عن 10% إلى 15%، فيما يُطلب من السكان تقليص الاستهلاك إلى أقل حد ممكن. أما في المناطق الريفية، فإن الوضع أشدّ قسوة. عائلات كاملة تركت قراها بعد أن جفّت آبارها، وشهدت محافظات مثل سيستان وبلوشستان موجات هجرة ريفية بسبب ندرة المياه والفقدان المستمر لسبل العيش.
تزيد الهجرة الداخلية الناتجة عن الجفاف الضغط السكاني على المدن الكبرى، ما يخلق أحياء فقيرة مكتظة ويزيد من حدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.
سياسات إدارة خاطئة
على الرغم من الطبيعة الجافة، لم تُظهر الحكومات الإيرانية المتعاقبة إدارة فعّالة للمياه. اعتمدت طهران منذ السبعينيات سياسة بناء السدود ونقل المياه بين الأحواض، من دون الأخذ في الحسبان التوازن البيئي. ونتيجة لذلك، جفّت أنهار بكاملها بسبب تحويل مجاريها لمناطق أخرى، أو استخدامها في مشاريع زراعية وصناعية غير مدروسة.
وتشير الإحصاءات إلى استهلاك القطاع الزراعي في إيران، الذي لا يزال يُدار بأساليب تقليدية، نحو 80% إلى 90% من المياه. كما تزايد حفر الآبار الجوفية بشكل عشوائي حتى بلغ عددها أكثر من 800 ألف بئر، نصفها غير مرخّص، ما أدى إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية، وحدوث هبوط أرضي يصل إلى 20 سنتيمتراً سنوياً في بعض المناطق، خصوصاً حول طهران وأصفهان.
انعكاسات الجفاف
طهران، التي تضم نحو 9 ملايين نسمة، تعيش على شفا أزمة مائية حقيقية. فالسدود التي توفّر مياه الشرب للعاصمة، سجلت مستويات ملء متدنّية جداً، لك أن تتخيل أن أحد هذه السدود الرئيسة (سد لتيان) بلغ مخزونه نحو 9% فقط من طاقته الإجمالية. عدا عن معاناة شبكات المياه القديمة من تسرّب مستمر، ما يجعل أكثر من نصف ما يصل إلى المنازل غير متاح فعلياً.
نتيجة لذلك، يواجه السكان انقطاعات متكررة في المياه، في حين ترتفع الأسعار بشكل مضاعف في بعض المناطق، وسط شعور متزايد بعدم العدالة في توزيع الموارد. ناهيك عما تفعله الهجرة الداخلية إلى طهران، من مئات القرى المحيطة، من زيادة في الضغط السكاني على العاصمة، ما يؤدي إلى اكتظاظ الأحياء أكثر، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتعميق التوترات الاجتماعية.
لقد أصبحت النزاعات حول المياه وظهور سوق غير رسمية بأسعار مرتفعة، جزءاً من الحياة اليومية، فيما يتزايد القلق الصحي بسبب نقص المياه وانخفاض مستوى النظافة، خصوصاً للأطفال وكبار السن.
تحذيرات المسؤولين
في جانب متصل، أعلنت السلطات الإيرانية تقنين توزيع المياه في العاصمة، بما في ذلك قطع الإمدادات ليلاً لإعادة تعبئة الخزانات. وقال وزير الطاقة عباس علي عبادي: “نُجبَر على قطع إمدادات المياه عن المواطنين في بعض الأمسيات حتى تمتلئ الخزانات مجدداً”، داعياً السكان إلى تخزين المياه وترشيد استخدامها لتعويض فترات الانقطاع.
من جانبه، حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن طهران قد تحتاج إلى إجلاء السكان إذا لم تتساقط الأمطار قبل نهاية العام، مشيراً إلى أن الأزمة تمثل “خطورة متعددة الأبعاد تشمل الانهيار الاقتصادي والجفاف والاضطرابات الاجتماعية”.
إيران في مواجهة إفلاس مائي
خبراء البيئة يؤكدون أن ما يحدث في إيران هو “إفلاس مائي” حقيقي، نتيجة عقود من سوء الإدارة واستنزاف الموارد المائية، مع تفاقم التغير المناخي والجفاف المطول. وتوقع بعضهم أن يؤثر هذا الوضع على البنية التحتية للطاقة وحتى على البرنامج النووي الإيراني، في حال استمرار نقص المياه والكهرباء، ما يجعل الأزمة قضية استراتيجية ووجودية للبلاد.
لم تعد أزمة الجفاف في إيران مجرد مسألة بيئية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الصمود أمام تحديات متعددة الأبعاد: اجتماعية، اقتصادية، وسياسية. طهران تمثل مرآة هذه الأزمة، حيث يلتقي نقص المياه مع ضغط سكاني متزايد وبنية تحتية منهكة، لتتحول مياه الشرب من مورد طبيعي إلى مؤشر على العدالة والاستقرار.
ومع استمرار الجفاف وانعدام الأمطار، يواجه الإيرانيون واقعاً قاسياً يُهدد نمط حياتهم ومستقبل مدنهم، فيما يزداد القلق من تصاعد التوترات الداخلية. إيران اليوم على مفترق طرق: إما مواجهة صعبة لأزمة مائية غير مسبوقة، أو الانحدار تدريجاً نحو تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لتصبح أزمة المياه تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع معاً.















