بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

حرب إلكترونية

إيران تُحوّل الفضاء السيبراني إلى سلاح استراتيجي.. حرب منخفضة الكلفة لاختراق تفوق أميركا والغرب

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

توسّع إيران أدوات صراعها مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلى واحدة من أكثر ساحات المواجهة حساسية وعمقاً: الفضاء السيبراني. وتأتي الاتهامات الأميركية الجديدة والمُحدّثة إلى 17 إيرانياً لتسلط الضوء على حملة واسعة ومنظمة لسرقة البيانات والأبحاث والملكية الفكرية من جامعات وشركات ووكالات حكومية، وتقدم في الوقت نفسه صورة عن كيفية استخدام طهران الأدوات الرقمية لتعويض جزء من الفارق العسكري والتكنولوجي الكبير بينها وبين خصومها.

لكن أهمية القضية لا تكمن في حجم القرصنة وحده، بل في طبيعة الوظيفة التي تؤديها. فاختراق جامعة يمكن أن يوفر معرفة علمية متقدمة، والوصول إلى شركة قد يختصر سنوات من البحث والتطوير، بينما يمنح اختراق مؤسسة حكومية معلومات استخباراتية حساسة. وفي بيئة العقوبات والقيود على وصول إيران إلى التكنولوجيا الغربية، يمكن أن تتحول البيانات المسروقة إلى مورد استراتيجي يرفد الاقتصاد والصناعة والبرامج التقنية.

حرب المنطقة الرمادية

تتحرك إيران في الفضاء السيبراني ضمن ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية”، أي المجال الواقع بين المنافسة السلمية والحرب المفتوحة. وتتيح هذه المساحة تنفيذ عمليات يمكن أن تحقق أثراً استراتيجياً من دون الوصول إلى عتبة تستدعي بالضرورة رداً عسكرياً مباشراً.

هنا تكمن جاذبية الأداة السيبرانية لطهران، فهي لا تحتاج إلى امتلاك قوات جوية أو بحرية تضاهي الولايات المتحدة حتى تتمكن من إلحاق أضرار بمؤسسات أميركية أو الوصول إلى معلومات حساسة. ويمكن لمجموعة صغيرة من القراصنة، إذا امتلكت المهارات والبنية التحتية اللازمة، استهداف مؤسسة ضخمة بكلفة أقل بكثير من تكلفة عملية عسكرية تقليدية.

ولا تقتصر المكاسب على التجسس، فسرقة الأبحاث والبرمجيات والمخططات الهندسية يمكن أن توفر لطهران موارد يصعب الحصول عليها عبر القنوات التجارية بسبب العقوبات، بينما يمكن استخدام البيانات الحكومية والشخصية في عمليات استخبارية أو ضغط سياسي.

“مبنا” وشبكة الاختراق

بحسب وزارة العدل الأميركية، ترتبط الاتهامات الموجهة إلى 17 إيرانياً بمعهد “مبنا”، الذي تقول واشنطن إنه نفذ عمليات قرصنة لمصلحة الحرس الثوري وجهات حكومية وجامعات إيرانية.

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الحملة استهدفت 144 جامعة أميركية و178 جامعة في دول أخرى، إضافة إلى أكثر من 100 ألف حساب لأكاديميين حول العالم. وتمكن القراصنة، وفق الادعاء الأميركي، من اختراق نحو 8 آلاف حساب وسرقة ما لا يقل عن 31.5 تيرابايت من البيانات.

واستخدمت الشبكة أساليب التصيد الإلكتروني وسرقة بيانات الدخول للوصول إلى الحسابات الأكاديمية، ثم نقل المواد المسروقة إلى خوادم خاضعة لسيطرة أفرادها. ولم تكن العملية موجهة حصراً لخدمة أغراض استخبارية؛ فقد أشارت وزارة العدل إلى بيع جزء من المواد المسروقة عبر مواقع إلكترونية داخل إيران.

وتظهر هذه التفاصيل كيف يمكن أن تتحول القرصنة إلى منظومة تجمع بين التجسس والربح والوصول إلى المعرفة المحظورة.

شبكة تتجاوز “مبنا”

لا يعني ارتباط القضية بمعهد “مبنا” أن النشاط السيبراني الإيراني يقتصر على هذه الشبكة. فقد طورت طهران خلال السنوات الماضية منظومة أكثر اتساعاً تضم مجموعات مختلفة تعمل بأهداف وأساليب متعددة.

ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالنشاط السيبراني الإيراني مجموعة APT35 المعروفة أيضاً باسم “Charming Kitten” والتي ركزت على عمليات التصيد والهندسة الاجتماعية واستهداف شخصيات سياسية وأكاديمية وصحافيين. كما ارتبطت مجموعة MuddyWater بعمليات استهدفت مؤسسات وبنى تحتية في دول عدة، ونسبتها جهات غربية إلى وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية.

ويصعب أحياناً الفصل بين المؤسسات الحكومية والمتعاقدين والمجموعات المتخصصة، وهو ما يوفر لطهران مساحة للإنكار ويمنحها مرونة في توزيع المهام. وبذلك لا تعتمد الاستراتيجية على جهاز واحد، بل على شبكة من القدرات والأدوات يمكن تشغيلها وفق طبيعة الهدف.

من السرقة للتطوير

تكتسب سرقة المعرفة أهمية خاصة بالنسبة إلى إيران بسبب القيود المفروضة على حصولها على التكنولوجيا المتقدمة. لكن الربط بين كل عملية قرصنة وبرنامج عسكري محدد يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن افتراض أن كل البيانات المسروقة تُستخدم مباشرة في تطوير الأسلحة.

مع ذلك، يمثل الحصول غير المشروع على الأبحاث والتقنيات مصدراً محتملاً للمعرفة التي يمكن إعادة توظيفها محلياً، سواء في المجالات الصناعية أو العلمية أو العسكرية. وتصبح هذه القدرة أكثر أهمية في قطاعات مثل الطائرات المسيرة والأنظمة الإلكترونية والصناعات الدفاعية، حيث يمكن للمعرفة الهندسية أن تختصر مراحل طويلة من التطوير.

كما توسعت الأدوات الإيرانية إلى ما يتجاوز سرقة المعلومات، لتشمل هجمات تخريبية وبرمجيات قادرة على تعطيل الأنظمة، إضافة إلى عمليات ابتزاز إلكتروني نفذتها مجموعات مرتبطة بإيران.

لكن هذه الأنشطة ليست متطابقة في أهدافها، فبعضها يرتبط بالتجسس، وبعضها بالابتزاز المالي، وبعضها الآخر بمحاولات تعطيل البنى التحتية أو الضغط على خصوم سياسيين.

أهداف داخل واشنطن

تكشف قائمة الأهداف الأميركية والدولية عن اتساع نطاق النشاط. فقد شملت العمليات، وفق وزارة العدل، وزارة العمل الأميركية واللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة، إضافة إلى ولايتي هاواي وإنديانا، والأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة.

كما استهدفت الشبكة شركة “HB”، حيث اتهمت السلطات الأميركية القراصنة بسرقة بيانات ومحاولة ابتزاز الشركة مقابل ملايين الدولارات.

ويعكس هذا التنوع أن الهدف من العمليات لا يقتصر على الحصول على أسرار عسكرية، فالمعلومات الحكومية لها قيمة استخبارية، والأبحاث لها قيمة علمية واقتصادية، وبيانات الشركات يمكن أن تتحول إلى أداة ابتزاز أو مكسب مالي.

وهنا يصبح الفضاء السيبراني ساحة متعددة الاستخدامات، تستطيع فيها الجهة نفسها الانتقال من التجسس إلى الابتزاز أو التخريب بحسب طبيعة الهدف.

معضلة الردع الأميركي

تواجه واشنطن في المقابل مشكلة أساسية: كيف يمكن ردع مجموعات تعمل من داخل دولة لا تتعاون مع السلطات الأميركية في تسليم المتهمين؟

تمثل لوائح الاتهام والعقوبات ومكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار أدوات ضغط وملاحقة، لكنها لا تعني بالضرورة قدرة فورية على توقيف المتهمين. ولذلك تستخدم الولايات المتحدة ما يعرف بسياسة “التسمية والتشهير”، عبر كشف هويات الأفراد والشبكات واتهامهم علناً، إلى جانب العقوبات والإجراءات القضائية.

إن الردع السيبراني أكثر تعقيداً من الردع التقليدي، فالهجوم يمكن أن يكون منخفض الكلفة، والمنفذ قد يعمل من دولة أخرى، بينما يتطلب اكتشاف العملية وربطها بجهة محددة وقتاً وقدراً كبيراً من الأدلة التقنية والاستخبارية. وهذا يمنح إيران، مثل دول أخرى تستخدم القدرات السيبرانية، مساحة للمناورة تحت مستوى الحرب المباشرة.

حرب منخفضة الكلفة

تكمن القوة الحقيقية للنموذج الإيراني في أنه لا يحاول منافسة الولايات المتحدة في مجال تتفوق فيه واشنطن، بل يبحث عن نقاط ضعف مختلفة، فبدلاً من مواجهة القوة العسكرية الأميركية بالقوة العسكرية، تستخدم طهران أدوات أقل كلفة للوصول إلى المعرفة والمعلومات وتعطيل بعض الأنظمة أو الضغط على المؤسسات.

ولهذا، فإن قضية المتهمين الـ17 تتجاوز كونها ملفاً قضائياً يتعلق بعمليات قرصنة قديمة. إنها تقدم مثالاً على تحول البيانات إلى مورد استراتيجي، وعلى انتقال الصراع الأميركي-الإيراني إلى ساحة لا توجد فيها حدود واضحة بين التجسس والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا.

في هذه الحرب، لا تحتاج الدولة الأضعف تقليدياً إلى تحطيم منظومة خصمها بالكامل. يكفيها العثور على ثغرة واحدة داخلها. ومن هنا تأتي أهمية الفضاء السيبراني بالنسبة إلى إيران: إنه لا يلغي فجوة القوة مع الولايات المتحدة، لكنه يمنح طهران وسيلة منخفضة الكلفة لاستغلال هذه الفجوة وتحويل بعض عناصر التفوق الغربي، خصوصاً المعرفة والتكنولوجيا والبيانات، إلى أهداف يمكن اختراقها والاستفادة منها.