بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

معركة تشريعية

إيران تعيد تعريف “العدو الداخلي”.. مشروع يضع الاتصال بالخارج تحت مجهر الأمن القومي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم تعد المواجهة الإيرانية مع الاختراق الخارجي محصورة في الجواسيس والملفات السرية. ففي البرلمان، انتقل النقاش إلى مساحة أوسع وأكثر حساسية: من يتحدث إلى الإعلام الأجنبي؟ من يتعاون مع جامعة أو مؤسسة خارجية؟ ومتى يتحول هذا الاتصال من نشاط مهني أو مدني إلى “نفوذ” يمس الأمن القومي؟

التصويت الذي جرى في 16 أغسطس/آب الجاري لا يعني أن قانوناً نهائياً دخل حيز التنفيذ، لكنه فتح معركة تشريعية على تعريف العلاقة بين المواطن والعالم الخارجي. فبعد تشديد قوانين التجسس في 2025، يناقش البرلمان الآن إطاراً أوسع يمكن أن يضع الصحافة والبحث العلمي والتعاون المؤسسي داخل المنطقة نفسها التي كانت مخصصة تقليدياً للاستخبارات والأمن. 

السؤال الذي ستحدده المواد النهائية ليس فقط من يستحق العقاب، بل ما الذي يعتبره القانون الإيراني فعلاً أمنياً في الأساس؟

من المعلومة السرية إلى شبكة العلاقات

في التصور التقليدي، يرتبط التجسس بالحصول على معلومات محمية أو نقلها لمصلحة دولة أو جهاز استخبارات أجنبي. ويمكن، نظرياً على الأقل، البحث عن عناصر واضحة: ما المعلومة؟ لمن نُقلت؟ وبأي قصد؟

أما “النفوذ” فيتحرك في مساحة مختلفة. الجهة الأجنبية لا تحتاج بالضرورة إلى الحصول على وثيقة عسكرية سرية لكي تمارس تأثيراً؛ قد تسعى إلى التأثير في قرار اقتصادي، أو خطاب إعلامي، أو بيئة أكاديمية، أو شبكة من العلاقات المدنية والسياسية.

من هنا يمكن فهم اتساع المشروع الإيراني. الصيغة المتداولة لا تقف عند وسائل الإعلام التي تعدها السلطات مرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل، بل تقترح أيضاً إخضاع الاتصالات بوسائل إعلام أجنبية أخرى للإخطار، وتنظيم الاتصال بالسفارات والمؤسسات الأجنبية، وتقييد تقديم بعض المعلومات والتعاون العلمي مع جهات خارجية غير معتمدة. كما تتضمن أحكاماً مقترحة بشأن السياسات أو التشريعات التي تعتبر السلطات أنها صيغت بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية وأضرت بأمن إيران أو استقلالها. لكن هذه كلها، حتى الآن، مقترحات لم تُعتمد موادها النهائية.

المسألة إذن ليست أن إيران اكتشفت فجأة خطراً اسمه الاتصال بالأجانب، بل أنها تبحث عن إطار قانوني أوسع يستطيع التعامل مع الاتصال نفسه بوصفه قناة محتملة للتأثير. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.

أين ينتهي الأمن وتبدأ الحياة المدنية؟

للدولة مصلحة مشروعة في حماية مؤسساتها من الاختراق الاستخباراتي، ولا سيما إن واجهت في السنوات الأخيرة صراعات عسكرية وعمليات تجسس واغتيالات وتوترات حادة مع قوى خارجية. ومن هذه الزاوية، يستطيع مؤيدو المشروع القول إن قوانين التجسس التقليدية قد لا تكون كافية لمواجهة عمليات تأثير تستخدم الاقتصاد والإعلام والبحث العلمي والعلاقات المدنية بدلاً من الأساليب الاستخباراتية الكلاسيكية.

لكن المشكلة لا تبدأ عند الاعتراف بالخطر، بل عند تعريفه قانونياً. فإذا أصبح “النفوذ” مفهوماً واسعاً لا يتطلب إثبات علاقة واضحة بجهاز استخبارات أو فعل ضار محدد، فقد تنتقل الرقابة من السلوك الإجرامي إلى شبكة العلاقات الطبيعية التي تربط المواطن بالعالم الخارجي.

صحفي يتحدث إلى محطة أجنبية، باحث يتعاون مع جامعة خارج إيران، خبير يرسل بيانات إلى مؤسسة دولية، مواطن يتواصل مع منظمة في الخارج. في أي لحظة ينتقل أحد هؤلاء من ممارسة نشاط مهني أو مدني إلى الدخول في دائرة الأمن القومي؟

الإجابة لن تحددها المبادئ العامة التي أقرها البرلمان، بل الصياغة النهائية للتعريفات وشروط التجريم والاستثناءات والضمانات القضائية.

لماذا لا يبدو الخوف نظرياً

هذا النقاش لا يبدأ من فراغ. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 دخل حيز التنفيذ قانون إيراني أشد صرامة بشأن التجسس والتعاون مع إسرائيل ودول تصنف معادية. وتقول منظمة العفو الدولية إن القانون يستخدم تعريفات واسعة يمكن أن تشمل أنشطة سلمية، من بينها نقل معلومات إلى صحفيين في الخارج إذا اعتبرتها السلطات تعاوناً يضر بالأمن القومي.

ومن هنا تكتسب قضية المصورة الصحفية يلدا معيري أهمية خاصة، بعدما حُكم عليها في قبل أيام بالسجن 15 عاماً بموجب قانون 2025. وبحسب ملاحظات من لائحة الاتهام اطلعت عليها “رويترز” وإفادات معيري، شملت الاتهامات إجراء مقابلات مع وسائل إعلام تصنفها السلطات “معادية” وإرسال صور إلى جهات مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل. وقالت إنها زودت CNN بصور لأضرار الضربات الجوية وتحدثت إليها عن عملها الصحفي، وهي تعتزم الطعن في الحكم.

معيري لم تُحاكم بموجب المشروع الذي يناقشه البرلمان حالياً، ولذلك لا يجوز استخدام قضيتها لإثبات كيفية تطبيق قانون لم يصدر بعد. لكنها تكشف شيئاً مهماً: عندما تدخل مفاهيم مثل “التعاون مع العدو” أو “الجهة المعادية” إلى القوانين الأمنية بصياغات واسعة، يمكن أن يصبح العمل الصحفي نفسه موضع نزاع بين تفسيرين مختلفين تماماً: الدولة تراه قناة محتملة لتقديم معلومات إلى خصومها، والصحفي يراه ممارسة لمهنته. المشروع الجديد ينقل هذه المعضلة إلى مستوى أوسع هو “النفوذ”.

الاختبار ليس وجود الأمن القومي بل حدوده

القانون الدولي نفسه لا يفترض أن حرية التعبير مطلقة. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تسمح بقيود لحماية الأمن القومي، لكنها تشترط أن تكون مقررة بقانون وضرورية للغرض المشروع الذي تستهدفه. كما تؤكد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن القيود يجب أن تكون متناسبة، وأن على الدولة أن تحدد طبيعة التهديد وتثبت صلة مباشرة وفورية بين التعبير محل التقييد وبين ذلك التهديد.

وهذا هو الاختبار الذي سيواجه المشروع الإيراني إذا انتقل من المبادئ العامة إلى قانون نهائي.

ليس السؤال ما إذا كانت إيران تملك حق مواجهة التجسس أو عمليات التأثير الأجنبية؛ فهذا الحق ليس موضع الخلاف. السؤال هو ما إذا كان القانون سيستطيع التمييز بين العمل المنظم لمصلحة جهاز أو قوة أجنبية وبين الاتصال المهني والأكاديمي والإعلامي الذي يشكل جزءاً عادياً من مجتمع حديث متصل بالعالم.

كلما كان التعريف أدق، أمكن للدولة ملاحقة الفعل الذي تعتبره ضاراً من دون تحويل الاتصال نفسه إلى قرينة اشتباه. وكلما اتسع التعريف، انتقل عبء أكبر إلى المواطن لكي يثبت أن علاقته بجهة أجنبية ليست قناة “نفوذ”.

من التجسس إلى إدارة الاتصال بالخارج

لهذا لا ينبغي اختزال المشروع في خبر عن المقابلات الصحفية، فالإعلام هو الجانب الأكثر قابلية لجذب الانتباه، لكنه ليس سوى جزء من تحول أوسع.

قانون 2025 شدد التعامل مع التجسس والتعاون مع جهات معادية، فيما يحاول مشروع 2026 بناء سياج قانوني حول مفهوم أوسع هو النفوذ الخارجي. وبين الاثنين تتشكل تدريجياً مساحة أمنية تلتقي فيها الصحافة والجامعة والمؤسسات الأجنبية وتبادل البيانات والعلاقات المدنية.

ولا يزال ممكناً أن تتغير مواد المشروع جذرياً أثناء المناقشة البرلمانية. لذلك سيكون من الخطأ إصدار حكم نهائي عليه الآن. لكن الاتجاه الذي يستحق المتابعة أصبح واضحاً: المعركة التشريعية المقبلة لن تدور فقط حول مقدار العقوبة، بل حول تعريف الفعل الذي يستحق العقاب.

فإذا بقي التجريم مرتبطاً بضرر أمني محدد يمكن إثباته، سيكون المشروع امتداداً لمنطق حماية الدولة من الاختراق. أما إذا أصبح مجرد الاتصال المشروع بالعالم الخارجي مدخلاً واسعاً للاشتباه والتجريم، فإن إيران لن تكون قد وسعت قانون مكافحة التجسس فحسب، بل ستكون قد أعادت رسم الحدود بين الأمن القومي والمجال المدني نفسه.