على خلاف عدد من الدول الإفريقية التي تشهد اعتداءات عنيفة تستهدف المسيحيين، لم تُسجَّل في إريتريا هجمات إرهابية ذات طابع ديني مباشر. إلا أن أحدث تقرير لمنظمة “أبواب مفتوحة” صنّف البلاد في المرتبة السادسة ضمن قائمة أخطر 50 دولة في العالم على المسيحيين.
يأتي هذا التصنيف على الرغم من أن المسيحيين يشكّلون نحو 63% من سكان البلاد، إذ يتعرضون لاضطهاد ديني وسياسي مزدوج، في ظل وجود أكثر من 300 رجل دين مسيحي في المعتقلات منذ سنوات طويلة.
منذ عام 2002، اعتقلت السلطات الإريترية آلاف المسيحيين بتهمة “التجمع غير القانوني”، بسبب عدم انتمائهم إلى الطوائف الكنسية المعترف بها من الدولة، وزُجّ بهم في شبكة السجون الواسعة في البلاد، ولا يزال العديد منهم قيد الاحتجاز حتى اليوم.
لأكثر من 20 عاماً، يقبع تيكلياب منغيستاب في سجن قرب العاصمة الإريترية أسمرة، على خلفية مشاركته في حركة تجديد داخل الكنيسة الأرثوذكسية الإريترية التوحيدية، وهي إحدى الهيئات الدينية الأربع المعترف بها قانونياً في البلاد.
ثلاث طوائف مسيحية
رغم أن المسيحيين يشكّلون غالبية سكان إريتريا، البالغ عددهم نحو 3.8 ملايين نسمة، فإن السلطات لا تعترف إلا بثلاث طوائف مسيحية فقط، هي الكاثوليكية، واللوثرية، والأرثوذكسية. ويتعرّض المنخرطون في أنشطة دينية خارج هذه الطوائف لخطر كبير من الملاحقة والاعتقال.
وتتبع الغالبية العظمى من المسيحيين في إريتريا الكنيسة الأرثوذكسية، إلى جانب أقليات من الكاثوليك والبروتستانت. وبينما يُعتقل المسيحيون ويُفرَج عنهم على دفعات، لا يزال العديد من القساوسة البارزين يقبعون في السجون منذ أكثر من عقد. ويُحتجز معظمهم في الحبس الانفرادي بسجن “وونجيل ميرميرا” قرب العاصمة أسمرة.
وفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، يُعد هذا السجن من أقسى مراكز الاستجواب في البلاد، إذ يضم زنزانات انفرادية أشبه بالأبراج المحصنة، ويُستجوب السجناء داخله تحت الضرب والتعذيب.
قصص مرعبة..
تحت ضغط المنظمات الكنسية والحقوقية، أفرجت السلطات الإريترية في نهاية عام 2025 عن عشرات المعتقلين. إلا أن منظمة “أبواب مفتوحة” وغيرها من الجمعيات المسيحية أكدت أن أياً من القيادات الكنسية التي طالبت بالإفراج عنها لسنوات طويلة لم يُفرَج عنهم.
وأشارت المنظمة إلى أن قساوسة بارزين، مثل تيكلياب منغيستاب، ومليون جبريسيلاسي، وكيداني ولدو، وجبريمدهين جبريجورجيس، وكوفلو جبريمسكيل، وفوتسوم جبرينيغوس، وهايلي نايزغي، لا يزالون محتجزين في السجون منذ أكثر من عشرين عاماً، دون توجيه أي تهم إليهم أو إخضاعهم لمحاكمات.
لكل واحد من هؤلاء المعتقلين السبعة قصة تعكس حجم الاضطهاد الديني والسياسي الذي يتعرض له القادة الكنسيون. فبالنسبة لمنغيستاب، وهو طبيب وكاهن أرثوذكسي ذو مكانة مرموقة، فقد اعتُقل في نوفمبر 2004 بتهمة التورط في حركة التجديد داخل الكنيسة الأرثوذكسية.
واقتيد القس هايلي نايزغي، الزعيم السابق لكنيسة الإنجيل الكامل، من منزله في مايو 2022 إلى سجن “وونجيل ميرميرا” في أسمرة، حيث لا يزال محتجزاً هناك رغم تدهور حالته الصحية. أما كوفلو جبريمسكيل، أحد قادة الكنيسة، فقد مُنعت أسرته من زيارته رغم قضائه 17 عاماً في السجن. وبالنسبة للقس مليون جبريسيلاسي، المحتجز منذ أكثر من 20 عاماً، فقد اعتُقل هو الآخر عند إحدى نقاط التفتيش بسبب نشاط كنسي غير مرخّص.
وكما هو الحال مع منغيستاب، اعتُقل الكاهن الأرثوذكسي فوتسوم جبرينيغوس بتهمة المشاركة في حركة التجديد داخل الكنيسة الأرثوذكسية، وكان حينها الطبيب النفسي الوحيد في إريتريا. وفي عام 2005، اختفى القس كيداني ولدو، وبعد أيام من البحث عثرت عائلته على سيارته مهجورة، قبل أن تعلم لاحقاً أنه محتجز في أحد السجون، دون أن يُسمح لها بزيارته طوال فترة اعتقاله.
وأكدت منظمة “أبواب مفتوحة” أن الإفراجات الأخيرة شملت على ما يبدو مؤمنين مسيحيين ورجال أعمال وسياسيين، إلا أن أياً من قادة الكنائس السبعة الذين دافعت عنهم المنظمة على مدى سنوات لم يكن من بينهم.
ظروف احتجاز قاسية..
نادراً ما تُعلَن أسباب الإفراج عن السجناء، إلا أن أحد التفسيرات المحتملة هو تدهور حالتهم الصحية. وبحسب مسيحيين إريتريين فرّوا من البلاد بعد الإفراج عنهم، يتسبب الاحتجاز المطوّل في ظروف غير إنسانية في الإصابة بأمراض مزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، والتي قد تكون قاتلة إذا تُركت دون علاج.
ووفقاً للناشطة المسيحية تجنسي دويته تجنسي، توفي عمها بعد يوم واحد فقط من الإفراج عنه من أحد السجون. وتشير تجنسي إلى أن أسرتها اضطرت للفرار من إريتريا عام 2008، عندما كانت في الخامسة من عمرها، دون أن تفهم آنذاك أسباب الهروب. لكنها علمت لاحقاً أن سبعة من أقاربها اعتُقلوا بسبب معتقداتهم الدينية وانتمائهم الكنسي.
تقول تجنسي: “عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، سمعت والدتي تقول: هناك أنباء سيئة من الوطن… لقد توفي عمي الذي كان محتجزاً في أحد السجون خارج أسمرة لأكثر من عشر سنوات، بعد أن اعتقلوه أثناء إقامته قداساً في منزله”.
قمع مفرط..
بحسب مدير منظمة “أبواب مفتوحة” لشرق إفريقيا، “لا تزال الكنيسة في إريتريا تواجه قمعاً مستمراً، إذ تتمسك الحكومة بالأيديولوجية نفسها التي دفعتها إلى اضطهاد المسيحيين منذ مطلع الألفية الحالية، وقد شهدنا تصاعداً في الضغوط عام 2021”. وأضاف أن الكنيسة لا تزال تخضع لرقابة مشددة، وأن الوضع تفاقم منذ اندلاع الحرب في تيغراي.
من جهتها، أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن أوضاع المسيحيين في إريتريا لا تزال مزرية، موضحة أن المنتسبين إلى ديانات غير معترف بها محلياً يواجهون خطر مداهمة منازلهم والسجن والتعذيب، وأن الإفراج عنهم يتطلب في كثير من الأحيان التخلي كتابياً عن انتمائهم الديني.
قالت تيفاني بارنز، مديرة المناصرة العالمية في منظمة “أبواب مفتوحة”: “لم يُوجَّه أي اتهام لأيٍّ منهم، ولم يُقدَّموا إلى المحاكم، ولم يُمنحوا أي تمثيل قانوني، كما لم يُسمح لعائلاتهم بزيارتهم. إن محنتهم تُجسِّد معاناة آلاف سجناء الرأي المحتجزين حالياً في إريتريا دون تهمة أو محاكمة”.
وحذّرت جو نيوهوس، المتحدثة باسم المنظمة، من استمرار المخاوف بشأن الحالة الجسدية والنفسية والروحية للمعتقلين.
مكان شديد الصعوبة
صنّف تقرير الحريات الدينية لعام 2025 إريتريا كواحدة من أصعب البلدان في العالم بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية، حيث تُعامل معظم الجماعات الإنجيلية والخمسينية على أنها مجموعات غير شرعية. كما يواجه المسيحيون الذين يمارسون شعائرهم خارج الكنائس المرخصة مراقبة مكثفة، ومداهمات عنيفة، وسجناً لأجل غير مسمى في ظروف مروّعة.
ويواجه المتحوّلون من الإسلام أو الكنيسة الأرثوذكسية خطر الرفض العائلي والإقصاء الاجتماعي، فضلاً عن اضطهاد الدولة. ويُفاقم الطابع العسكري للمجتمع من حدة القمع، إذ يُعاقَب المسيحيون في الجيش بشدة إذا ضُبطوا وهم يمارسون شعائرهم الدينية.
قال تسفاي أوري، وهو صحفي عاش سنوات طويلة في إريتريا قبل أن يطلب اللجوء في إحدى دول شرق إفريقيا، إن “المسيحيين يواجهون قمعاً مركباً، ولا تتوافر أمامهم خيارات كثيرة، فإما تحمّل الاضطهاد أو الفرار من البلاد”.
وأوضح أوري أن الجماعات المسيحية التي تسعى إلى التجديد أو ترتبط بعلاقات خارجية تكون أكثر عرضة للقمع والملاحقة. وتواجه الكنائس الإنجيلية والخمسينية والمعمدانية، وهي جميعها غير معترف بها رسمياً، أشد أنواع الاضطهاد، حيث تُداهم وتُجرّم تجمعاتها، ويُوصم أعضاؤها وقادتها بأنهم “عملاء أجانب”.
ووفقاً لتقارير منظمات حقوقية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، لا تزال إريتريا، التي يحكمها الرئيس أسياس أفورقي منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، واحدة من أكثر الأنظمة استبداداً وعسكرةً في العالم.















