شركات عائلية

إرث “راي-بان” في مهب الخلافات.. عائلة ديل فيكيو تصارع على إمبراطورية الـ 46 مليار دولار

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لم يكن ليوناردو ديل فيكيو يتصور أن الإمبراطورية التي بناها على مدى أكثر من ستة عقود قد تصبح، بعد رحيله، رهينة لخلافات ورثته. فمؤسس “لوكسوتيكا”، التي تحولت لاحقاً إلى “إسيلور لوكسوتيكا”، ترك وراءه ثروة تتجاوز 46 مليار دولار، ومجموعة من الأصول التي تمتد من النظارات والعلامات الفاخرة إلى البنوك والتأمين. لكنه، في محاولة للحفاظ على وحدة إرثه، وزّع ملكية “دلفين”، الشركة العائلية القابضة، بالتساوي بين ثمانية ورثة، من دون أن يمنح أحدهم موقعاً حاسماً في إدارتها.

بعد أربع سنوات على وفاته في 2022، تبدو تلك المعادلة أقرب إلى مصدر للأزمة منها إلى ضمان للاستمرارية. فقد تحولت الخلافات بين الورثة إلى أزمة حوكمة تهدد قدرة “ديلفين” على اتخاذ قرارات استراتيجية، في وقت تمثل فيه الشركة أحد أهم مراكز القوة في الاقتصاد الإيطالي، بفضل حصصها الفاعلة في عملاق صناعة النظارات ومالكة العلامة التجارية “راي-بان” “إسيلور لوكسوتيكا”، بالإضافة إلى بنك “مونتي دي باشي دي سيينا”، ومجموعة “جنرالي” للتأمين والخدمات المالية، وبنك “يوني كريديت”، وغير ذلك.

إرث موزع بالتساوي

قسم ديل فيكيو ملكية “دلفين” إلى ثمانية أجزاء متساوية، بواقع 12.5% لكل من أبنائه الستة، وأرملته نيكوليتا زامبيلو، وابنها روكو باسيليكو من زواج سابق. وكان الهدف واضحاً: منع تفكك الإمبراطورية والحفاظ على وحدة الأصول عبر الأجيال. لكن المشكلة أن المساواة في الملكية لم تترافق مع آلية واضحة للخروج من حالة الخلاف. 

القواعد الداخلية تفرض مستويات مرتفعة من التوافق على القرارات الكبرى، ما جعل حق التصويت المتساوي يتحول عملياً إلى قدرة متساوية على التعطيل. ويصف أستاذ حوكمة الشركات في جامعة بوكوني، أليساندرو مينيكيلي، هذه المعادلة بأنها وضع “حق النقض” في أيدي جميع الورثة تقريباً.

وبينما تولى فرانشيسكو ميليري، أحد أقرب مساعدي ديل فيكيو، رئاسة “دلفين” والرئاسة التنفيذية لـ”إسيلور لوكسوتيكا”، بقي رومولو باردين في منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة القابضة. غير أن اختلاف المصالح، والفوارق الكبيرة في أعمار الورثة، وتعدد العائلات والأجيال داخل الهيكل، جعلت التوافق أكثر صعوبة.

“راي-بان” أكثر من مجرد نظارات

المفارقة أن الخلاف العائلي يتزامن مع تحول استراتيجي بالغ الأهمية داخل الشركة التي تمثل جوهر ثروة ديل فيكيو. فـ”إسيلور لوكسوتيكا” لا تراهن فقط على النظارات التقليدية، بل على تحويل المنتج إلى منصة تقنية جديدة من خلال شراكتها مع “ميتا”.

في هذا السياق، باعت الشركة أكثر من 7 ملايين نظارة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي خلال 2025، وفي الربع الثاني من العام ارتفعت الإيرادات 8.7% إلى نحو 7.7 مليار يورو، فيما اقتربت مبيعات النظارات الذكية من الضعف على أساس سنوي. كما ارتفع الربح التشغيلي المعدل للنصف الأول 15% إلى 2.75 مليار يورو.

وخلال يونيو/حزيران، وسّعت “إسيلور لوكسوتيكا” و”ميتا” شراكتهما بإطلاق مجموعة “ميتا غلاسيس” بأسعار أكثر تنافسية، في محاولة لتوسيع سوق النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قبل دخول منافسين مثل “أبل” و”غوغل” بقوة أكبر.

صفقة الـ10 مليارات.. محاولة لكسر الجمود

برز ليوناردو ماريا ديل فيكيو، الابن الرابع للمؤسس، بوصفه الشخصية الأكثر نشاطاً في محاولة إعادة ترتيب الملكية. في إبريل/نيسان الماضي نال موافقة غالبية المساهمين على شراء حصتي شقيقه لوكا وشقيقته باولا، بقيمة تقارب 10 مليارات يورو، ما كان سيرفع حصته في “دلفين” من 12.5% إلى 37.5%.

وكانت الصفقة ستمنحه موقع المساهم الأكبر، وتوفر مخرجاً لاثنين من الورثة الراغبين في تسييل حصتيهما، وربما تضع حداً لسنوات من النزاع. إلا أن التنفيذ اصطدم بعقبات تمويلية وقانونية وحوكمية. فهبوط سهم “إسيلور” قلّص قيمة الأصول التي يمكن استخدامها لدعم الصفقة، كما طالب ليوناردو ماريا بإدراج نحو مليار يورو من ديونه القائمة ضمن الهيكل التمويلي، في حين لم يكن مجلس “دلفين” المنقسم مستعداً لتقديم الضمانات التي طلبتها الجهات الممولة.

أزمة أكبر من شخصين

توصل ليوناردو ماريا وروكو باسيليكو مؤخراً إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الدعاوى المتبادلة المرتبطة بإعادة هيكلة “دلفين”. لكن هذا التطور لم يحل جوهر الأزمة؛ فقد استمرت الخلافات الأوسع حول الصفقة، والحوكمة، وبيع الأصول المالية، وخروج بعض الورثة.

وفي نهاية يونيو/حزيران، أدت الانقسامات إلى عرقلة اجتماع حاسم للمساهمين، غاب عنه ليوناردو ماريا احتجاجاً على ما اعتبره نقصاً في التعاون والوثائق اللازمة لاتخاذ قرارات منتجة. وهو ما كشف أن الاتفاق بين طرفين لا يكفي لإعادة تشغيل “دلفين” ما دام الهيكل نفسه يفتقر إلى آلية حاسمة لحسم الخلافات.

في المقابل، أعاد ليوناردو ماريا ترتيب إدارة شركته الاستثمارية LMDV Capital، ويبحث عن إعادة تمويل بنحو 1.1 مليار يورو من “أبولو غلوبال مانجمنت”، مع إمكانية رفع التسهيل مستقبلاً إلى 10 مليارات يورو، ما يمنحه هامشاً مالياً للتعامل مع خيارات إعادة هيكلة حصته.

أزمة تتجاوز العائلة

تكمن خطورة “دلفين” في أن تفككها المحتمل لن يكون شأناً عائلياً خاصاً. فالشركة ليست مجرد وعاء لثروة ورثة، بل واحدة من أدوات النفوذ الاقتصادي في إيطاليا. وحين تمتلك شركة واحدة حصصاً مؤثرة في شركة عالمية مثل “إسيلور لوكسوتيكا”، ومصرف مثل “مونتي باشي”، وشركة تأمين بحجم “جنرالي”، فإن أي إعادة هيكلة قسرية يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز سوق الأسهم إلى خريطة الملكية في الاقتصاد الإيطالي.

كما أن القضية تعكس مشكلة أوسع تواجه الشركات العائلية الإيطالية. وتشير جمعية الشركات العائلية الإيطالية “AidAF” إلى أن أكثر من ثلث الشركات ذات الصلة في البلاد مرشحة لمعركة انتقالات بين الأجيال خلال الفترة الممتدة حتى 2034.

حين تتحول المساواة إلى نقطة ضعف

تكشف قصة ديل فيكيو مفارقة أساسية في انتقال الثروات العائلية: المساواة بين الورثة قد تبدو عادلة من منظور توزيع الثروة، لكنها ليست بالضرورة وصفة جيدة لاستمرار الشركة. فالمؤسس الذي نجح طوال حياته في فرض رؤية واحدة على إمبراطوريته ظنّ أن تلك الرؤية يمكن أن تستمر بعد غيابه من خلال توزيع متساوٍ للملكية. لكن الورثة لم يرثوا العمر نفسه، ولا الخبرة نفسها، ولا الطموحات ولا الرؤية نفسها. فهل يمكن الحفاظ على “راي-بان” و”إسيلور لوكسوتيكا” كجوهرة صناعية واحدة؟

ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الرجل الذي بنى إمبراطورية عالمية من صناعة بسيطة نسبياً، وهي النظارات، ترك وراءه نظاماً معقداً للوراثة لم يتمكن من تصميمه بالمرونة نفسها التي أدار بها أعماله. وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الحقيقي أمام ورثته هو حجم الثروة، بل كيفية الاتفاق على ما إذا كانت تلك الثروة ستظل كتلة واحدة، أم تتحول تدريجياً إلى مجموعة من الكيانات العائلية المنفصلة.