بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير تحليلي

أوروبا تكتب استراتيجية جديدة ضد العنصرية.. والأقليات لا تجد طريقاً مضموناً إلى العدالة

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

أطلقت المفوضية الأوروبية استراتيجيتها الجديدة لمكافحة العنصرية للفترة 2026–2030 في لحظة سياسية ثقيلة. القارة التي تقدّم نفسها بوصفها أحد أهم النماذج المؤسسية في حماية الحقوق، تواجه اليوم صعوداً متزايداً في خطاب الهجرة، وتطبيعاً أوسع للعنصرية السياسية، وفجوة واضحة بين قوة النصوص القانونية وضعف الوصول الفعلي إلى العدالة.

المفوضية تقول إن خطة مكافحة العنصرية السابقة وضعت الملف في صلب النقاش العام، لكنها تُقر أيضاً بأن نحو ثلثي الأوروبيين ما زالوا يرون أن التمييز العرقي واسع الانتشار في بلدانهم، بحسب بيانات “يوروباروميتر” التي أوردتها وثيقة الاستراتيجية الجديدة.

هذه المفارقة هي جوهر الأزمة الأوروبية الراهنة. المشكلة ليست أن أوروبا بلا قوانين، ولا أنها تفتقر إلى مؤسسات أو خطط أو هيئات رقابية. على العكس، لديها واحدة من أكثر البنى الحقوقية تطوراً في العالم. لكن هذه البنية تصطدم اليوم بثلاث قوى تضغط عليها من الداخل: تشدد سياسات الهجرة، وصعود اليمين الشعبوي، وضعف قدرة الأقليات والمهاجرين على تحويل الانتهاك إلى قضية رابحة أمام مؤسسات العدالة.

قوانين قوية.. حماية محدودة

تملك أوروبا إطاراً قانونياً واسعاً لمكافحة التمييز، في مقدمته توجيه المساواة العرقية الصادر العام 2000، الذي يفترض أن يمنع التمييز على أساس العرق أو الأصل الإثني في مجالات مثل العمل والتعليم والحماية الاجتماعية والخدمات. غير أن إحاطة بحثية صادرة عن البرلمان الأوروبي في يوليو/تموز الماضي خلُصت إلى أن البنية الأوروبية لمكافحة العنصرية “قوية من حيث المبدأ”، لكنها “غير مستغلة” و”غير فعالة في النهاية”، مشيرة إلى انخفاض معدلات التقاضي بموجب توجيه المساواة العرقية أمام محكمة العدل الأوروبية.

هذه الجملة تلخص مأزقاً أكبر من نص قانوني واحد. فحين تكون القاعدة القانونية متقدمة، لكن استخدامها القضائي محدود، يصبح السؤال الحقيقي: من يستطيع الوصول إلى العدالة؟ الضحية التي تواجه تمييزاً في السكن أو العمل أو التعليم لا تحتاج فقط إلى حق مكتوب، بل إلى محامٍ، ووقت، وأدلة، ومؤسسة إنفاذ مستقلة، وبيئة سياسية لا تجعل الشكوى نفسها فعلاً مكلفاً اجتماعياً أو مهنياً.

وهنا يظهر الفرق بين “الحق” و”الحماية”. الحق يمكن أن يوجد في التشريع، أما الحماية فلا تظهر إلا عندما تستطيع الضحية استخدامه. بالنسبة إلى أقليات مثل الروما، والمسلمين، واليهود، والسود، والمهاجرين، وطالبي اللجوء، لا يكفي أن تعلن بروكسل استراتيجية جديدة إذا بقي الطريق إلى الإنصاف طويلاً ومكلفاً ومحدود النتائج.

حين يصبح خطاب الكراهية لغة سياسية عادية

لا تعمل القوانين في فراغ. المناخ السياسي الذي يحيط بها يحدد إلى حد كبير قدرة الضحايا على الشكوى، وقدرة المؤسسات على الإنفاذ، واستعداد الحكومات لتحويل المساواة من شعار إلى أولوية. في هذا السياق، حذرت لجنة مكافحة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا في تقريرها السنوي للعام 2025 من مستويات “مقلقة” من خطاب الكراهية في أوروبا ومن تزايد تطبيعه، خصوصاً في ظل سياسات هجرة أكثر تشدداً.

أشارت اللجنة إلى أن خطاب الكراهية يستهدف جماعات متعددة، بينها الروما، والمسلمون، واليهود، والأجانب، ومجتمع الميم، وأن الخطاب المعادي للأجانب بات أكثر حضوراً مع تشديد سياسات الهجرة. كما لفتت إلى بقاء الخطاب المعادي للسامية والمعادي للمسلمين عند مستويات أعلى بكثير مما كان عليه قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب اللاحقة في غزة.

هذا التعدد في الأهداف مهم. فالأزمة الأوروبية لا تخص أقلية واحدة فقط، ولا يمكن اختزالها في توتر ديني أو عرقي محدد. هناك بنية أوسع تسمح بتحويل الفئات الهشة إلى موضوع للشك السياسي: المسلم بوصفه تهديداً ثقافياً، اليهودي بوصفه هدفاً لعداء متجدد، الروما بوصفهم عبئاً أمنياً أو اجتماعياً، والمهاجر بوصفه مدخلاً لتفسير الجريمة والبطالة والضغط على الخدمات.

وحين يدخل هذا الخطاب إلى الحملات الانتخابية والبرلمانات ووسائل الإعلام، لا يبقى مجرّد رأي متطرف على الهامش، يصبح جزءاً من المجال العام، ويبدأ في تشكيل الحدود الفعلية لما تستطيع الدولة حمايته. فالقانون قد يمنع التمييز، لكن السياسة تستطيع أن تجعل التمييز أكثر قبولاً، أو أقل كلفة، أو أكثر صعوبة في الإثبات.

الهجرة وإعادة تعريف الحقوق

تشكّل الهجرة اليوم نقطة الضغط الأخطر على منظومة الحقوق الأوروبية. الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، الذي بدأ تطبيقه في يونيو/حزيران الماضي، يقدم نفسه كإصلاح ضروري لإدارة الحدود وتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء. لكنه يوسع في الوقت ذاته إجراءات الفحص على الحدود، ويتيح مسارات أسرع لمعالجة طلبات بعض الفئات، ويزيد احتمالات الاحتجاز والإعادة السريعة، بحسب عرض وكالة “أسوشيتد برس” للقواعد الجديدة وما أثارته من انتقادات حقوقية.

الخطر هنا لا يكمن فقط في تفاصيل إجرائية. عندما تصبح الحدود مساحة استثناء، يصبح طالب اللجوء أو المهاجر في موقع قانوني أضعف من المواطن والمقيم المستقر. تتقلص فرص الطعن، وتتعاظم سلطة التقدير الأمني، وتصبح الجنسية أو بلد المنشأ أو طريقة الوصول عوامل تؤثر عملياً في فرص الحماية.

وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية حذرت في تقريرها للعام 2026 من أن أحداث 2025 اختبرت قدرة ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد على تحويل القيم الأوروبية إلى حقوق عملية قابلة للإنفاذ، خصوصاً في ملفات الأمن الداخلي، واللجوء والهجرة، والمساواة وعدم التمييز. ووضعت الوكالة مسألة الحدود والوصول إلى الحماية ضمن أبرز التحديات الحقوقية التي واجهت الاتحاد.

بهذا المعنى، لم يعد ملف الهجرة منفصلاً عن حقوق الأقليات. فالتشدد الحدودي لا يبقى عند البحر أو المعبر البري. ينتقل إلى الداخل عبر خطاب عام يربط الأجنبي بالخطر، واللاجئ بالعبء، والمسلم بالاندماج المشروط، والسود والروما بتصورات مسبقة حول الفقر أو الأمن أو النظام العام. وعندما تتحول هذه التصورات إلى سياسات، يصبح التمييز أقل ظهوراً لكنه أكثر رسوخاً.

فرنسا وبريطانيا: نماذج للفجوة لا استثناء

تبدو فرنسا نموذجاً واضحاً للفجوة بين المؤشرات الحقوقية العامة والواقع اليومي للأقليات. فقد أظهر تقرير اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان، كما نقلته “لوموند”، أن مؤشر التسامح في فرنسا بقي مرتفعاً نسبياً، لكنه تزامن مع استمرار جذور عميقة للعنصرية ومعاداة السامية والعداء للأديان. التقرير سجل 2489 واقعة عنصرية أو معادية للسامية أو معادية للأديان في العام 2025، و3851 واقعة عنصرية أو معادية للسامية في المدارس خلال العام الدراسي 2024–2025.

هذا التناقض مهم: يمكن للمجتمع أن يعلن قبولاً عاماً بالتنوع، ثم ينتج في الوقت نفسه وقائع كراهية داخل المدارس والشوارع والمؤسسات. التسامح، عندما يبقى شعوراً عاماً لا سياسة إنفاذ، لا يمنع الضحية من التعرض للإهانة أو الإقصاء أو العنف. كما أن ارتفاع المؤشرات العامة لا يكفي إذا كانت القضايا تنتهي غالباً بلا إدانة أو إذا بقيت الشكاوى أقل بكثير من حجم الانتهاكات الفعلية.

وفي بريطانيا، قال رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر، إن العنصرية والتعصب تفاقما خلال العقد الأخير، محذراً من أثر ذلك على التماسك الاجتماعي ومشاركة الناس في الحياة العامة. جاءت تصريحاته بعد تقرير لـ”رويترز” عن مخاوف بين بريطانيين من ذوي البشرة الملونة من عودة أقوى للعنصرية، مرتبطة بخطاب مناهض للهجرة وتركيز سياسي على الجريمة، عقب اضطرابات واحتجاجات في أكثر من منطقة.

نعم، هناك اختلاف بين الحالة الفرنسية والبريطانية، لكن الاتجاه واحد: العنصرية لا تتراجع تلقائياً داخل الديمقراطيات العريقة، ولا يكفي وجود مؤسسات قوية لمنع عودتها في لحظات القلق الاقتصادي والهوياتي. عندما تصبح الهجرة مادة صراع انتخابي يومي، تجد الأقليات نفسها داخل معركة لم تخترها، لكنها تدفع كلفتها في المدرسة والعمل والسكن والشارع.

العنصرية البنيوية  

في مارس/آذار الماضي، قالت منسقة الاتحاد الأوروبي لمكافحة العنصرية، ميكايلا موا، إن العنصرية البنيوية ما زالت متجذرة بعمق في أوروبا، وإن المؤسسات بحاجة إلى مواجهة إرثها الاستعماري. وأشارت، بحسب “رويترز”، إلى بيانات وكالة الحقوق الأساسية التي تفيد بأن نحو نصف الأشخاص من أصول أفريقية في الاتحاد الأوروبي قالوا إنهم تعرضوا للتمييز، مع استمرار معوقات في سوق العمل حتى بين أصحاب المؤهلات الجامعية.

هذا التصريح يختلف عن اللغة الأوروبية التقليدية التي تميل إلى تقديم العنصرية كخلل اجتماعي أو تطرف هامشي. الحديث عن “عنصرية بنيوية” يعني أن المشكلة لا ترتبط فقط بأفراد يكرهون، بل بمؤسسات وسياسات وممارسات تنتج نتائج غير متكافئة حتى عندما تتحدث بلغة محايدة.

لكن هذا الانتقال في الخطاب يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار أصعب. الاعتراف بالعنصرية البنيوية لا قيمة له إذا لم يتحول إلى بيانات أفضل، وإنفاذ أقوى، وتدريب مؤسسي، ومساءلة داخل الإدارات، ومراجعة لسياسات الشرطة والحدود والتعليم والسكن والعمل. لذلك، انتقدت منظمات غير حكومية الاستراتيجية الأوروبية الجديدة لأنها لا تذهب بعيداً بما يكفي في ملفات العدالة التعويضية ومواجهة آثار التاريخ الاستعماري الأوروبي، وفق ما نقلته “رويترز” عن الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية.

أوروبا بين صورتها وواقعها

تتمتع أوروبا بقوة معيارية هائلة، فهي تستخدم خطاب حقوق الإنسان في علاقاتها الخارجية، وتربط أحياناً الشراكات والتمويل والتوسيع بمعايير الديمقراطية وسيادة القانون. لكن هذه القوة تفقد جزءاً من فعاليتها عندما تبدو الفجوة بين الخطاب الداخلي والواقع العملي واسعة. ولا يمكن لمنظومة تطالب الآخرين بحماية الأقليات أن تتجاهل ضعف حماية أقلياتها حين تصبح الهجرة والهوية والأمن أدوات تعبئة داخلية.

المسألة لا تعني أن أوروبا فقدت منظومتها الحقوقية، ولا أن قوانينها بلا قيمة. الصورة أدق من ذلك: أوروبا تملك أدوات حماية متقدمة، لكنها تدخل مرحلة يتراجع فيها المزاج السياسي الداعم لهذه الأدوات. وبين النص القانوني والمناخ السياسي، تضيع فئات كثيرة لا تمتلك القدرة نفسها على الوصول إلى المحاكم، أو الإعلام، أو النفوذ النقابي والحزبي.

لهذا، لا يكفي الحكم على أوروبا من خلال الاستراتيجيات الصادرة عن بروكسل، ولا من خلال خطابات الزعماء بعد كل حادث كراهية. الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل الأقل ظهوراً: عدد القضايا التي تصل إلى المحاكم وتكسب، صلاحيات هيئات المساواة، حماية ضحايا خطاب الكراهية، مراقبة سياسات الحدود، وتفكيك التمييز داخل العمل والسكن والتعليم.

وأول مؤشر حقيقي على ذلك سيكون مصير استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة العنصرية 2026–2030: هل ستتحول إلى خطة إنفاذ ملزمة بموازنات ومؤشرات ونتائج، أم تبقى مظلة سياسية واسعة لا تغيّر كثيراً في حياة الضحايا؟ ثاني مؤشر هو تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء: هل سيؤدي إلى نظام أكثر تنظيماً وعدلاً، أم إلى تسريع الاحتجاز والإعادة وتقليص حق الطعن؟ ثالث مؤشر هو الخطاب السياسي في الانتخابات الوطنية والأوروبية المقبلة: هل تتراجع الأحزاب التقليدية أمام أجندة اليمين الشعبوي، أم تستعيد القدرة على الدفاع عن الحقوق من دون خوف انتخابي؟