بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حروب التجارة

أوروبا تعيد رسم قواعد التجارة مع الصين: الرسوم الجمركية تدخل حسابات الأمن الاقتصادي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

يدخل الاتحاد الأوروبي مرحلة أكثر تشدّداً في تنظيم علاقته التجارية مع الصين، مع بدء تطبيق رسم جمركي مؤقت على الطرود منخفضة القيمة الواردة إلى أسواقه. ورغم أن الإجراء يبدو، في ظاهره، تعديلاً فنياً في قواعد الجمارك، فإنه يعكس تحولاً أوسع في أولويات السياسة الاقتصادية الأوروبية؛ فلم تعد كلفة السلعة وحدها هي معيار الانفتاح، بل باتت المنافسة العادلة وسلامة المنتجات ومرونة سلاسل الإمداد عناصر حاضرة في القرار التجاري.

جاءت الخطوة بالتزامن مع تحركات أوروبية لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية مع بكين، في وقت ترفض فيه الصين تحميلها مسؤولية الاختلالات التي يواجهها الاقتصاد الأوروبي. هذا التداخل بين الرسوم الجمركية والحوار التجاري يكشف انتقال بروكسل من إدارة العلاقة مع الصين بوصفها ملفاً تجارياً تقليدياً، إلى التعامل معها باعتبارها اختباراً لقدرة أوروبا على حماية صناعاتها وتقليل هشاشتها أمام الاعتماد الخارجي.

نهج تقليل المخاطر

لسنوات طويلة، استفادت أوروبا من تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة، كما استفادت بكين من انفتاحها على واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم. غير أن الأزمات المتلاحقة، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بتعطل سلاسل الإمداد، ووصولاً إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، دفعت بروكسل إلى مراجعة مستوى اعتمادها الاقتصادي على بلاد التنين.

من هنا برز مفهوم “تقليل المخاطر” بوصفه الإطار الحاكم للسياسة الأوروبية تجاه بكين. ولا يقوم هذا النهج على الفصل الاقتصادي الكامل، بل على تنويع مصادر الاستيراد، وحماية القطاعات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد المفرط على مورد واحد، خصوصاً في المجالات التي يمكن أن تتحول فيها التجارة إلى نقطة ضغط سياسي أو صناعي.

استهداف نموذج الشحن المباشر

قد تبدو الرسوم الجديدة محدودة الأثر للوهلة الأولى، لكنها تطال أحد أسرع نماذج التجارة نمواً خلال السنوات الأخيرة: الشحن المباشر إلى المستهلك عبر منصات التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وفي مقدمتها المنصات الصينية منخفضة التكلفة.

فقد شهدت الأسواق الأوروبية تدفقاً واسعاً للطرود منخفضة القيمة، التي كانت تستفيد من إعفاءات جمركية وتصل مباشرة إلى المستهلك، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن المنافسة غير المتكافئة مع الشركات الأوروبية. ولا تقف المخاوف عند الأسعار وحدها، بل تشمل كلفة الرقابة الجمركية، وصعوبة فحص ملايين الشحنات الصغيرة، وما يرتبط بذلك من تحديات تتعلق بسلامة المنتجات والامتثال للمعايير الأوروبية.

في المقابل، تحاول بكين منع تحول الخلافات التجارية إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة. فقد رفضت الصين اعتبارها السبب الجذري للمشكلات الاقتصادية الأوروبية، مؤكدة أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي يجب أن تبقى محكومة بمنطق الشراكة لا الخصومة. غير أن هذا الخطاب لا يلغي حقيقة أن الضغوط الغربية على الصين لم تعد تقتصر على واشنطن، بل بدأت تظهر تدريجياً في العواصم الأوروبية، وإن بصيغة أكثر ارتباطاً بالمنافسة التجارية وحماية السوق.

تحولات أوسع في السياسة التجارية

لا يمكن فصل القرار الأوروبي عن مسار غربي متسارع يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والأمن القومي. فالولايات المتحدة سبقت أوروبا إلى فرض قيود على التكنولوجيا الصينية وتشديد الرقابة على الاستثمارات وسلاسل التوريد، بينما بدأت بروكسل بدورها توظيف أدوات جمركية وتنظيمية لحماية صناعاتها وتقليل الاختلال في ميزانها التجاري.

وتكشف هذه السياسات أن التجارة الدولية أصبحت أكثر خضوعاً لحسابات النفوذ والمرونة الصناعية والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. فالسؤال لم يعد مقتصراً على من ينتج بتكلفة أقل، بل اتسع ليشمل من يملك القدرة على التحكم في سلاسل الإمداد، ومن يتحمل كلفة الاعتماد، ومن لديه أدوات الرد إذا تحولت التجارة إلى وسيلة ضغط.

بين إعادة التوازن وخطر التصعيد

حتى الآن، تحرص بروكسل على تجنب خطاب “الفصل الاقتصادي” مع الصين، وتؤكد أنها لا تسعى إلى قطع العلاقات التجارية، بل إلى إعادة التوازن وتقليل المخاطر. غير أن استمرار القيود والرسوم والإجراءات التنظيمية قد يدفع بكين إلى إجراءات مقابلة إذا رأت أن السياسات الأوروبية تتحول تدريجياً إلى أدوات حمائية تستهدف صادراتها.

في المقابل، تراهن الصناعات الأوروبية على أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى بيئة أكثر عدالة في المنافسة، خصوصاً إذا نجحت في الحد من تدفق السلع منخفضة التكلفة التي استفادت طويلاً من ثغرات تنظيمية وإعفاءات جمركية. لكن نجاح هذا الرهان سيعتمد على قدرة أوروبا على الجمع بين الانضباط التجاري والحفاظ على انفتاح السوق، من دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية واسعة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

لا يمثل الرسم المفروض على الطرود منخفضة القيمة مجرد تعديل في السياسة الجمركية الأوروبية، بل يعكس تغيراً في طبيعة النظام التجاري العالمي. فبعد عقود من تقديم الكفاءة وخفض التكاليف باعتبارهما أولوية شبه مطلقة، تمنح الاقتصادات الكبرى وزناً أكبر للأمن الاقتصادي، ومرونة سلاسل الإمداد، وحماية القدرات الصناعية الوطنية.

وبهذا تبدأ أوروبا اختباراً دقيقاً: كيف تحافظ على نموذجها التجاري المفتوح، من دون أن تبقى مكشوفة أمام اختلالات السوق والاعتماد المفرط على الخارج؟ الإجابة عن هذا السؤال قد ترسم ملامح العلاقة الاقتصادية مع الصين خلال السنوات المقبلة، وربما تحدد أيضاً حدود الانفتاح التجاري في مرحلة تتقدم فيها حسابات القوة على حسابات السعر وحدها.