لا شيء يمنع العوالم الرقمية من إعادة تشكيل ساحات الصراع، لكن التحوّل داخل منصّات الألعاب يجري بسرعة أربكت حتى الأجهزة الأكثر اعتياداً على ملاحقة التطرف. وما كان يُنظر إليه كفضاء ترفيهي خالص بات اليوم جزءاً من بيئة التجنيد، حيث يختلط اللعب بالنقاشات الساخرة والرموز المشفّرة، وتذوب الحدود بين الفراغ الافتراضي والتأثير الحقيقي على الفئات الأصغر سناً.
لم تكن الخطوة الأخيرة لـ “يوروبول” (Europol)، أو ما يُعرف بوكالة إنفاذ القانون في الاتحاد الأوروبي، مجرد إحالة رقمية أخرى، فحجم المنصّات المستهدفة ونوع المحتوى يشيران إلى قناعة أوروبية تتبلور بوضوح، وهي أن الفضاء الترفيهي لم يعد آمناً، وبات ممراً حقيقياً لخطاب العنف.
في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، نفّذت وحدة “IRU”، ومقرها المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب التابع للـ “يوروبول”، عملية أمنية أبلغت من خلالها عن آلاف عناوين المواقع المرتبطة بمواد خطيرة وغير مشروعة على الإنترنت، من منصّات بث، وخوادم صوتية، ومنتديات متخصصة، وحتى الألعاب نفسها. وما جرى التعامل معه لم يكن منشورات صريحة، بل مواداً تحمل لمسات ساخرة ورموز “ميم” متطرفة مموّهة ضمن ثقافة الألعاب الفرعية، ورسائل تحريضية.
ربما تكمن أهمية التحرك في مسألة أخرى، فالأجهزة الأوروبية بدأت تدرك أن تجاهل هذه المساحة لم يعد خياراً. كون الشباب، والقُصّر تحديداً، يتلقون المحتوى الأكثر حساسية في لحظات لعب عابرة، بعيداً عن أعين الآباء والمدرّسين. والمفارقة أن نموذج الإبلاغ لم يعد كافياً لتوصيف المعركة. لأن الاستهداف المكثّف للفضاء الترفيهي يعكس تفهّماً أوروبياً بأن الألعاب تحولت من نشاط ثانوي للفرد إلى منصة اجتماعية متكاملة تُصنع داخلها سرديات، وتُختبر فيها قابلية الشباب للتأثر، خصوصاً في مجتمعات متسارعة الإيقاع.
(Gamification) المحتوى المتطرف
هذه ليست العملية الأولى من نوعها. ففي يونيو/حزيران 2025، أبلغت “يوروبول” عن آلاف الروابط المرتبطة بدعاية جهادية ويمينية متطرفة، جزء منها مُوجّه إلى الأطفال. ليُرسخ تراكم تلك الحالات قناعة أوروبية بأن الألعاب باتت قناة فعّالة لتطبيع خطاب العنف. وبأن المنغمسين في هذه الأفعال يستخدمون ما يُعرف بـ “اللعبنة” (Gamification)، أي تحويل الأفكار أو المواد المتطرفة إلى محتوى يشبه الألعاب، واستغلال كل الأدوات اللازمة لذلك.
وجعلت الإشارات البحثية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة الصورة أوضح اليوم. منها على سبيل المثال، تقارير “شبكة التوعية بالتطرف” التابعة للمفوضية الأوروبية، والمعنية بفهم حالات التطرف والعنف ومنعها قبل وقوعها، وكذلك دراسات المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي (ICCT)، بالإضافة إلى متابعات بحثية أمريكية وأوروبية، كلها تشير إلى حضور مستمر لليمين المتطرف داخل فضاء الألعاب، مستخدماً رموزاً مشفّرة وثقافة تهكمية تُسهّل تمرير الأفكار المتشددة.
كما وثّقت صحف دولية أمثلة صادمة، أطفال دون العاشرة يستعرضون، داخل ألعاب على الهواء مباشرة، رموزاً نازية، أو محتوى يحاكي دعاية جهادية، وكل ذلك في بيئات شبه مغلقة يصعب على الرقابة اللحاق بها.
مساحة بلا حدود
جزء من تعقيد المشهد يعود لطبيعة الألعاب ذاتها. اللاعبون يلتقون بلا جغرافيا، ويتنقل الكلام والصور والرموز بسرعة تتجاوز قدرة الأدوات التقليدية على الرصد. كما لا توجد منشورات واضحة يمكن تتبعها، إنما تدفقات صوتية ورسائل قصيرة ومحتوى يتبدل خلال ساعات.
هذا بالضبط ما دفع “يوروبول” للعمل بنموذج إبلاغ لا يتدخل في سياسات المنصات بقدر ما يحيل المحتوى إليها، تاركاً إزالة المواد للجهة المالكة. وبناء عليه، باتت منصات تواصل اجتماعي شهيرة مثل “تيك توك”، و”ديسكورد”، و”تويتش” جزءاً من هذه المنظومة، رغم تفاوت درجات التفاعل.
رغم الإجماع الأمني النسبي، لا تزال مؤسسات حقوقية أوروبية، منها “OSCE” ومجلس أوروبا، تكرّر تحذيراتها من أن التدخل في الفضاءات الشبابية يجب أن يبقى مشروطاً بضوابط قانونية صارمة. الخطر هنا ليس حذف المحتوى فقط، بل الخط الذي يفصل بين التعبير الساخط والمحتوى التحريضي، خصوصاً في عالم تتوسع فيه قدرات توليد المحتوى وإخفائه في ثوانٍ.
المنطقة الرمادية
في الشرق الأوسط، تبدو الصورة مختلفة إلى حدٍّ ما. فالمنصّات ذاتها منتشرة، وحضور الشباب في عالم الألعاب واسع، غير أن الأُطر التشريعية وآليات الوقاية من التطرف الرقمي لا تزال غير واضحة ولا موثقة بشكل كافٍ. وبينما يبقى التركيز موجهاً نحو المقاربات الأمنية التقليدية، لا تُعامَل الفضاءات الرقمية، بما فيها منصات الألعاب، بوصفها مسرحاً حقيقياً لتهديدات جديدة ناشئة.
السؤال المطروح هنا، هل تستطيع المنطقة الاستفادة من التجربة الأوروبية، التي تمزج بين شراكات مع القطاع التقني ومقاربات تعليمية ومجتمع مدني، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على أدوات الرقابة المباشرة؟
أسرع من الرقابة
تكشفت عملية “يوروبول” الأخيرة عما يتجاوز كونها خطوة أمنية بحتة. فالتطرف يتحرك الآن عبر ممرات خفية، داخل مجتمعات فرعية، وبلا مركز واضح. والألعاب، كما يبدو اليوم، تتحول إلى بوابة أولى لسرديات العنف، وإلى جبهة تحاول أوروبا ضبطها قبل أن تصبح نقطة اشتعال جديدة.
الأسابيع المقبلة ستكون اختباراً عملياً، هل ستتكرر عمليات الإحالة أو الإبلاغات بوتيرة ثابتة؟ أم أن أوروبا دخلت فعلاً مرحلة جديدة تتعامل فيها مع منصات الألعاب بوصفها جزءاً رسمياً من ساحة المواجهة مع التطرف الرقمي؟















