في السينما، يكفي أن يُذكر اسم أنطوني هوبكنز حتى تستحضر الذاكرة ذلك الممثل الذي استطاع أن يحوّل الصمت إلى أداء، والنظرة إلى لغة، وأن يمنح شخصياته عمقًا يجعلها تعيش طويلًا بعد انطفاء شاشة العرض. لكن الفنان البريطاني، الذي بلغ الثامنة والثمانين من عمره، قرر أن يفتح صفحة جديدة في مسيرته الإبداعية، صفحة لا صلة لها بالتمثيل، بل بالموسيقى التي ظل يعتبرها، منذ طفولته، حبه الأول.
هوبكنز أعلن توقيع عقد مع شركة “ديكا كلاسيكس” لإصدار أول ألبوم له بصفته مؤلفًا موسيقيًا، في خطوة تبدو متأخرة زمنيًا، لكنها في الحقيقة ثمرة أكثر من ستين عامًا من الكتابة والتأليف بعيدًا عن الأضواء. كما كشف عن أولى مقطوعات الألبوم، التي تحمل عنوان «براكن رود»، لتكون بمثابة بوابة إلى عالم ظل يخفيه خلف شهرته السينمائية الطاغية.
الألبوم، الذي اختار له عنوان «الحياة حلم»، سيصدر في الحادي والعشرين من أغسطس المقبل، ويضم مجموعة من المؤلفات التي كتبها هوبكنز على امتداد أكثر من ستة عقود، وتؤديها أوركسترا فيلهارمونيا، بقيادة المايسترو الفنزويلي غوستافو دوداميل، أحد أبرز قادة الأوركسترا في العالم اليوم.
لم تكن هذه الخطوة نزوة فنان يبحث عن تحدٍّ جديد بعد أن حقق كل شيء في السينما، بل هي عودة حقيقية إلى الجذور. فلطالما أكد هوبكنز أن الموسيقى كانت دائمًا حبه الأول، وأن إصدار هذا الألبوم يمثل تحقيقًا لحلم رافقه طوال حياته. وكأن الرجل، بعد عشرات الشخصيات التي عاش داخلها، قرر أخيرًا أن يقدم الشخصية الوحيدة التي لم يؤدها أمام الجمهور: شخصيته الحقيقية.
ولعل ما يمنح هذه التجربة قيمتها أنها تكشف جانبًا خفيًا لأحد أعظم ممثلي العصر. فالجمهور الذي عرفه بطاقته الإبداعية سيد الأداء النفسي، وصاحب الحضور الآسر الذي جعل من شخصية “هانيبال ليكتر” إحدى أكثر الشخصيات رسوخًا في تاريخ السينما، لم يكن يعرف أن وراء هذا الوجه السينمائي المتألق موسيقيًا ظل يكتب الألحان بصبر، بعيدًا عن الأضواء والكاميرات.
في عالم الفن، كثيرًا ما تتحول الشهرة إلى قيد يمنع أصحابها من الإفصاح عن مواهب أخرى، خوفًا من المقارنة أو الفشل. لكن هوبكنز اختار أن يتحرر من هذا القيد في عمر يعتقد كثيرون أنه عمر الحصاد لا البدايات. وهنا تكمن رمزية هذه الخطوة؛ فهي تذكير بأن الإبداع لا يخضع لعمر، وأن الأحلام المؤجلة ليست بالضرورة أحلامًا ضائعة.
إن عنوان الألبوم، «الحياة حلم»، ليس مجرد اختيار شعري، بل تلخيص لسيرة فنان عاش أكثر من ثمانية عقود متنقلًا بين المسرح والسينما، قبل أن يعود إلى اللغة التي سكنت وجدانه منذ البدايات. وكأن الحياة، بعد كل هذه الرحلة الطويلة، تعيد صاحبها إلى النغمة الأولى التي خرجت من داخله.
هكذا يثبت أنطوني هوبكنز مرة أخرى أن الفنان الحقيقي لا يتقاعد من الإبداع بل يبدّل أدواته فقط. فمن الكاميرا إلى المدرج الموسيقي، ومن الأدوار الخالدة إلى النوتات الصامتة، يواصل رحلته في البحث عن الجمال، مؤكدًا أن أعظم الأعمال قد تولد أحيانًا عندما يظن الجميع أن الحكاية شارفت على النهاية.















