بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

أمريكا في مرمى الإرهاب الداخلي.. جماعات متطرفة تصعّد مستويات التحدي والمعالجة الأمنية أمام اختبار معقّد

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهدت الولايات المتحدة خلال 2025 تصاعداً ملحوظاً في مستوى التهديدات الإرهابية الداخلية، بما يعكس تحولات نوعية في طبيعة الإرهاب المحلي مقارنة بالسنوات السابقة. فلم تعد المخاطر مقتصرة على الهجمات الإلهامية الفردية المستوحاة من تنظيمات جهادية خارجية، بل اتسع نطاقها ليشمل أفراداً وجماعات محلية تتبنى أيديولوجيات متطرفة يسارية أو يمينية، إضافة إلى تيارات مدفوعة بأجندات سياسية واجتماعية راديكالية.

ينبع هذا التحول من تفاعلات معقدة بين الانقسامات السياسية الداخلية، والتوترات الاجتماعية المتصاعدة، وتأثير الأحداث الدولية، إلى جانب الانتشار المتزايد للمنصات الرقمية المشفرة التي وفرت بيئة مواتية للتخطيط والتنسيق بعيداً عن الرقابة المباشرة للسلطات. كما بات التطرف الداخلي يتغذى على الأزمات الاجتماعية، واستغلال القضايا المحلية والدولية لإضفاء شرعية زائفة على استخدام العنف، وتوسيع دوائر التجنيد.

لوس أنجلوس على شفا كارثة

في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي والنيابة الفيدرالية إحباط مخطط إرهابي معقد كان يستهدف مدينة لوس أنجلوس ومناطق في جنوب كاليفورنيا خلال ليلة رأس السنة، وهي فترة تشهد كثافة سكانية عالية وفعاليات جماهيرية واسعة.

وفقاً للسلطات، كان المخطط يهدف إلى تنفيذ سلسلة تفجيرات في مواقع اقتصادية وحكومية حساسة، من بينها منشآت تابعة لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، في محاولة لإحداث أضرار مادية ورمزية واسعة، وبث حالة من الخوف والفوضى في واحدة من أكثر المناطق ازدحاماً خلال العام. ويعكس اختيار التوقيت إدراكاً إجرامياً متقدماً لدى المنفذين لأهمية استغلال المناسبات العامة الكبرى لتعظيم الأثر، ما يزيد من تعقيد مهمة التنبؤ بالتهديدات وإحباطها مسبقاً.

المتورطون وأدواتهم

أظهرت التحقيقات أن المخطط نُفذ من قبل جماعة يسارية متطرفة محلية تُعرف باسم “Turtle Island Liberation Front”، وهي جماعة مناهضة للحكومة والرأسمالية، تتبنى خطاباً أيديولوجياً راديكالياً، وتروج لاستخدام العنف كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية ورمزية. وقد أُلقي القبض على أربعة مشتبه بهم في وادي لوسيرن بصحراء موهافي، ووجهت إليهم تهم التآمر وحيازة أجهزة مدمرة غير مسجلة.

بحسب وثائق الادعاء، استخدم المتهمون تطبيق Signal المشفر لتنسيق أنشطتهم ضمن مجموعة حملت اسم “Order of the Black Lotus”، كما عُثر بحوزتهم على مخطط تفصيلي من ثماني صفحات بعنوان “Operation Midnight Sun”، تضمن تحديد الأهداف والتوقيت وتعليمات تشغيل العبوات. ويعكس ذلك مستوى عالياً من التخطيط المنهجي والقدرة التنظيمية، وهو ما يشير إلى تطور لافت في كفاءة الجماعات المتطرفة المحلية.

هجوم نيو أورلينز.. بداية عام دامية 

في يناير/كانون الثاني 2025، شهدت مدينة نيو أورلينز هجوماً باستخدام شاحنة في شارع رئيسي خلال احتفالات رأس السنة، أسفر عن مقتل 14 شخصاً وإصابة العشرات. وعُثر داخل الشاحنة على علم لتنظيم “الدولة الإسلامية”، ما أدى إلى تصنيف الهجوم كعمل إرهابي.

تؤكد هذه الحادثة استمرار خطر الأفراد المتأثرين بالايديولوجيات الجهادية العابرة للحدود، وقدرتهم على تنفيذ أعمال عنف دون ارتباط تنظيمي مباشر، وهو ما يزيد من صعوبة التنبؤ بمثل هذه الهجمات، ويبرز الحاجة إلى دمج تقنيات رصد السلوك الفردي مع التحليل الاستخباراتي الأوسع.

انفجار مركز الخصوبة  

في مايو/أيار 2025، وقع انفجار سيارة أمام مركز للخصوبة في بالم سبرينغز، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص ومقتل منفذ الهجوم. وصنّفت السلطات الحادثة على أنها عمل إرهابي ذو دوافع أيديولوجية متطرفة غير تقليدية. تُبرز هذه الهجمات اتساع نطاق الدوافع الإرهابية لتشمل أجندات اجتماعية أو ثقافية محددة، بعيداً عن الأطر الجهادية التقليدية، ما يستلزم من أجهزة الأمن توسيع فهمها للتحولات الأيديولوجية المحلية، ومراقبة الجماعات والأفراد ذوي الدوافع الاجتماعية أو السياسية المتطرفة.

خلال هذا العام، سجلت الولايات المتحدة هجمات عدة على منشآت حكومية ووكالات مثل “ICE” في تكساس، حيث استهدف منفذو الهجمات رموز الدولة ومؤسساتها لإرسال رسائل تهديدية إلى المجتمع ككل. فقط أصبح استهداف الرموز الرسمية أحد أساليب الإرهاب الداخلي الأكثر استخداماً، حيث يدمج الرمزية السياسية مع العنف المادي لتأثير نفسي واسع على المواطنين والسلطات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي عن إحباط مخطط كان يستهدف ولاية ميشيغان خلال احتفالات الهالوين، وتم اعتقال عدة مشتبه بهم قبل تنفيذ أي عمل عنف. وقد كشف التحقيق أن الهدف كان تنفيذ هجمات محددة ضد المدنيين باستخدام أسلحة نارية ومتفجرات. هذه الحالة تؤكد فعالية الإجراءات الاستباقية للأجهزة الأمنية، وأهمية التنسيق بين السلطات المحلية والفيدرالية في مواجهة التهديدات الداخلية المتغيرة.

تعقيد وتحوّل ديناميكيات التهديد

يكشف إحباط مخطط لوس أنجلوس أن الجماعات المحلية باتت قادرة على التخطيط لعمليات متعددة المواقع، واستغلال المناسبات العامة الكبرى، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة و التشفير الرقمي. وتشير هذه القدرة التنظيمية إلى تحول جوهري في ديناميكيات الإرهاب الداخلي، حيث لم تعد التهديدات محصورة في المحركات الجهادية التقليدية، بل تشمل طيفاً أوسع من الأيديولوجيات المتطرفة المناهضة للحكومة والرأسمالية، والمستعدة لاستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية ورمزية واقتصادية.

كما يؤكد هذا المسار أننا أمام مزيج جديد من التهديدات الإرهابية الداخلية، يتسم بتطور واضح في أساليب التنظيم والتخطيط. ويقدم ذلك درساً عملياً لأجهزة الأمن حول ضرورة الجمع بين التحليل الاستخباراتي، والمراقبة الرقمية، وفهم السياقات الاجتماعية والسياسية التي تغذي التطرف. وفي ضوء سلسلة الأحداث والمخططات خلال عام 2025، تبدو الولايات المتحدة أمام تحدٍ مزدوج: منع الهجمات وحماية المدنيين، ومعالجة الأسباب العميقة لنشوء التطرف الداخلي للحد من تكرار هذه الظواهر مستقبلاً.