بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

اضطهاد ديني (5-8)

أكثر من ألف قتيل مسيحي في الكونغو 2025: تصعيد “داعش” وتمدّد “23 مارس” يكشفان صراع الثروة والهوية

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

قُتل أكثر من ألف مسيحي في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال عام 2025 والأسابيع الأولى من عام 2026 على يد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ولاية وسط إفريقيا، في تصعيد دموي متواصل. غير أن هذا العنف، على قسوته، لا يمكن عزله عن سياق أوسع من الصراع على السلطة والثروات المعدنية الضخمة في البلاد، التي تُقدَّر قيمتها بنحو 24 تريليون دولار، وفق تقديرات رسمية متداولة.

إلى جانب “داعش”، تنشط “حركة 23 مارس” المتمردة شرقي البلاد، ضمن مشهد أمني شديد التعقيد، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والعرقية والدينية والاقتصادية. ووفق تقرير منظمة “أبواب مفتوحة” لعام 2025، لا تزال الكونغو من بين أخطر الدول في العالم على المسيحيين، مع استمرار الهجمات على القرى والكنائس، خصوصاً في إقليمي كيفو الشمالية والجنوبية، حيث تتركز أعمال العنف المسلح.

يعزو تاديو بومبالي، الباحث المتخصص في القضايا الأمنية، ارتفاع عدد الضحايا المسيحيين في الكونغو الديمقراطية إلى كونهم يشكلون الأغلبية الساحقة من السكان، إذ يتجاوز عددهم 100 مليون من أصل نحو 114 مليون نسمة. ويوضح: “ترتفع أعداد القتلى من المسيحيين، لكن دوافع العنف تختلف عن دول أخرى مثل نيجيريا وإريتريا، حيث يُقتل المسيحيون بدوافع دينية صريحة”. ويشير إلى أن الصراع في الكونغو يتخذ طابعاً مركباً، تمتزج فيه الاعتبارات العقائدية بالمصالح الاقتصادية والصراعات المحلية على النفوذ.

تنظيم الدولة والتصعيد الممنهج

منذ يناير 2025، كثّف تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف محلياً باسم “قوات التحالف الديمقراطي”، عملياته في شرق الكونغو، مستفيداً من هشاشة الدولة وضعف انتشارها الأمني في المناطق الريفية. وتشير بيانات “لونغ وور جورنال” ومنظمة “أبواب مفتوحة” إلى مقتل نحو 1100 مدني خلال عام تقريباً، بينهم 130 شخصاً في الأسابيع الخمسة الأولى من عام 2026، وغالبية الضحايا من القرويين المسيحيين.

يرى القس كيمابو أسيوني، أحد قادة الكنيسة الأرثوذكسية في المنطقة، أن استهداف المسيحيين لم يعد مجرد نتيجة عرضية للصراع، بل يحمل بعداً أيديولوجياً واضحاً. ويقول إن نمط الهجمات، واختيار الأهداف، والخطاب الدعائي المصاحب لها، تشير إلى “تأطير عقائدي” يسعى إلى ترهيب المجتمعات المسيحية وإفراغ بعض المناطق من سكانها.

في سبتمبر 2025، قتل التنظيم 90 شخصاً في عمليتين متزامنتين، بينها مجزرة في قرية نتويو راح ضحيتها 72 شخصاً، بعضهم أثناء مشاركتهم في مراسم عزاء، إضافة إلى اختطاف نحو 100 آخرين. وأعلن التنظيم صراحة مسؤوليته عن استهداف مسيحيين، وواصل فرض إتاوات على المزارعين، وإجبار السكان على حضور دروس دينية، مع تنفيذ إعدامات بحق معارضين، حتى من المسلمين الذين يرفضون الانصياع لسلطته.

انقسامات مسيحية وتوترات إثنية

لا يقتصر المشهد المتوتر على هجمات الجماعات المسلحة، إذ تشهد الساحة المسيحية الداخلية بدورها احتكاكات متزايدة بين أكثر من 100 طائفة وكنيسة. وتعد جماعة “شهود يهوه” من أكثر الطوائف تعرضاً للمضايقات، خصوصاً في بعض المحافظات الداخلية، وفق تقرير الحريات الدينية الأمريكي لعام 2025، وسط شكاوى من طرد طلاب ومعلمين لرفضهم المشاركة في طقوس أو أنشطة ذات طابع ديني رسمي.

كما تصاعد التوتر السياسي–الإثني في بعض المدن الكبرى. ففي مدينة غوما، هاجم متظاهرون مسيحيون كنائس يُعتقد بارتباطها بناطقين باللغة الرواندية أو متعاطفين مع “حركة 23 مارس”، وذلك خلال احتجاجات ضد بعثة الأمم المتحدة. ويعكس هذا المشهد مدى تداخل الانتماءات الدينية مع الاصطفافات السياسية والعرقية، بحيث تتحول دور العبادة أحياناً إلى ساحات رمزية للصراع على الهوية والولاء.

المسلمون: تهميش في ظل هيمنة مسيحية

في المقابل، يشتكي مسلمو الكونغو، الذين يُقدَّر عددهم بنحو سبعة ملايين نسمة، من ضعف تمثيلهم السياسي والديني في مؤسسات الدولة. ويشير ناشطون إلى غياب أئمة رسميين في مؤسسات مثل الجيش والشرطة، في وقت تعتمد فيه الدولة بصورة واسعة على مؤسسات مسيحية لإدارة قطاعات التعليم والصحة.

وتُظهر بيانات رسمية أن أغلبية طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية يدرسون في مدارس تديرها منظمات دينية تتلقى دعماً حكومياً، وغالبية هذه المؤسسات تابعة للكنيسة الكاثوليكية. ويرى مراقبون أن هذا الواقع، رغم جذوره التاريخية، يعمّق شعور المسلمين بالتهميش، ويغذي الإحساس بعدم تكافؤ الفرص في الفضاء العام.

يقول حسين دوما، وهو معلم في إحدى المدارس الدينية شمالي البلاد: “نعاني من إهمال حكومي كبير، ونُحرم من امتيازات تتمتع بها الجماعات المسيحية الأكبر”. ويضيف: “يعاني المسلمون من ضعف التمثيل في المؤسسات الحكومية”، مشيراً إلى أن هذا الوضع يتطلب إصلاحات مؤسسية تضمن مشاركة أوسع لجميع المكونات الدينية.

دبلوماسية بلا أنياب

رغم صدور قرارات عن مجلس الأمن، ومساعي الاتحاد الإفريقي، وجولات وساطة استضافتها قطر، إضافة إلى اتفاق رعته الولايات المتحدة بين رواندا والكونغو، لا تزال “حركة 23 مارس” توسع نفوذها شرقي البلاد، وتفرض سيطرتها على مدن استراتيجية ومناطق تعدين حيوية.

من الواضح أن المبادرات الدولية تفتقر إلى أدوات تنفيذ فعالة، خاصة في ما يتعلق بوقف الدعم الخارجي للمتمردين، وضبط اقتصاد التعدين غير المشروع، الذي يُعد أحد أبرز محركات الصراع. فالمعادن النادرة، من ذهب وكولتان وقصدير، تمثل مصدر تمويل رئيسي للجماعات المسلحة، سواء عبر السيطرة المباشرة أو من خلال شبكات تهريب عابرة للحدود.

في هذا السياق، يقول الصحفي جويلي اليماسي: “يتجلى القصور بوضوح في مساري الدوحة وواشنطن؛ إذ يُقدَّمان كمحاولات لإعادة الانخراط الدبلوماسي بعد فشل الوساطة الأنغولية، لكنهما يتجاهلان الجريمة الاقتصادية التي تغذي الصراع”. ويضيف، بأن “حركة 23 مارس رسّخت إدارة موازية بحكم الأمر الواقع، تمارس عبرها سيطرة مباشرة على مواقع تعدين مربحة في شمال وجنوب كيفو، وتفرض ضرائب على الأنشطة الاقتصادية المحلية، بما في ذلك التجارة والنقل والزراعة والتعدين الحرفي وشبه الآلي، ما يوفر لها موارد تمكّنها من مواصلة عملياتها العسكرية”.

وفي ظل استمرار خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، يحذر مسؤولون أمميون من اتساع الفجوة بين التعهدات السياسية والواقع الميداني، بما يقوّض فرص السلام، ويعزز شعور المدنيين، مسيحيين ومسلمين على السواء، بأنهم تُركوا في مواجهة صراع مفتوح تتداخل فيه العقيدة مع الثروة والسلاح.