بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

أكثر قصص المبادرات الحكومية التباساً: مشروع ترامب-ماسك لكفاءة الحكومة يتلاشى بصمت وسط النزاعات والخلافات

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في واحدة من أكثر قصص المبادرات الحكومية التباساً وإثارة للجدل، لم يعد لإدارة الكفاءة الحكومية الأمريكية “DOGE”، التي أنشأها دونالد ترامب مطلع ولايته الثانية وأشرف عليها الملياردير إيلون ماسك، أي وجود فعلي. وبعد عشرة أشهر على إطلاقها وسط احتفاء كبير بوصفها الأداة المحورية لخفض الهدر الحكومي، تلاشت المبادرة بهدوء ودون إعلان رسمي، مخلفة أسئلة حول إدارة المشروع، وآثار تدخّلاته، والوفورات التي زعمت تحقيقها.

هذا التفكك كان متوقعاً إلى حد كبير؛ فالمبادرة دخلت خلال الأشهر الأخيرة في دوامة توترات سياسية وخلافات داخل البيت الأبيض، ترافقت مع انسحاب أبرز الوجوه الداعمة لها، وعلى رأسهم ماسك الذي لعب الدور المركزي في تصميمها وهندسة حملتها لخفض النفقات وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي.

من منصة سياسية إلى مشروع حكومي

وُلدت الإدارة في يناير/كانون الثاني 2025 عبر أمر تنفيذي وضعها تحت سلطة البيت الأبيض مباشرة. رُوّج لها كأداة لتنفيذ أكبر خفض حكومي منذ عقود: تقليص الوكالات، إلغاء العقود، إنهاء بعض برامج الاستحقاق، وتقليص القوى العاملة.

تولى ماسك عملياً قيادة DOGE خلال النصف الأول من العام، وقدم نفسه كـ”منشار ضد البيروقراطية”، وظهر في مناسبات حزبية حاملاً منشاراً رمزياً متعهداً بخفض الإنفاق بمقدار تريليوني دولار. وفي المقابل، منحه ترامب صلاحيات واسعة غير معتادة، فعيّن عشرات الموظفين، وأطلق موجة تسريحات غير مسبوقة، وعمل على تفكيك مؤسسات حكومية، أبرزها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).

لكن نفوذ ماسك اتسع دون حدود واضحة أو شفافية هيكلية. فلم تُنشر بنية الإدارة، ولا هوية رئيسها الفعلي، ولا الأسس الحسابية لاحتساب الوفورات، ما أجج انتقادات واسعة من خبراء وهيئات رقابية.

توترات قانونية.. DOGE في قلب النزاع

محاولة DOGE تفكيك وكالة التنمية الدولية أحدثت صدمة داخل الجهاز الحكومي. موظفون ومتعاقدون رفعوا دعاوى قالوا فيها إن ماسك تجاوز صلاحياته ومارس سلطات لا تُمنح إلا لمسؤولين يخضعون لتصديق مجلس الشيوخ.

واعتبرت الدعوى أن الإدارة مارست “استحواذاً غير دستوري” على سلطة الكونغرس بمحاولتها إلغاء وكالة أنشأها المشرعون. وزارة العدل حاولت منع استدعاء ماسك للشهادة، معتبرة ذلك تدخلاً في عمل البيت الأبيض، لكن المحكمة رفضت طلب إسقاط القضية. 

منذ ذلك الحين، ازداد التدقيق القانوني، وهو ما ساهم في إضعاف الإدارة وتسريع نهايتها.

في محاولة لاحتواء الأزمة، تحركت وزارة العدل لمنع استدعاء ماسك وكبار مسؤولي USAID السابقين للشهادة أمام محكمة اتحادية في ماريلاند. وجادلت الوزارة بأن إجبار شخص في موقعه على الإدلاء بشهادته يشكل تدخلاً في أنشطة البيت الأبيض، ويثير مخاوف دستورية جوهرية.

كما أكد المحامون أن الموظفين كان بإمكانهم طلب معلومات بديلة قبل اللجوء إلى استدعاء ماسك، بينما أصرّ المدّعون على وجود أدلة تشمل منشوراً لماسك قال فيه: “أمضينا عطلة نهاية الأسبوع نطحن USAID في ماكينة التقطيع”.

في أغسطس/آب الماضي، رفضت المحكمة طلب الحكومة إسقاط القضية، مؤكدة وجود ما يكفي من الأدلة على احتمال وقوع تجاوزات. ومنذ ذلك الوقت، اتسع نطاق التدقيق القانوني في الإدارة، ما ساهم في إضعاف DOGE والتسريع في كتابة شهادة وفاتها.

النهاية الصامتة للمبادرة

 وضعت DOGE موظفيها داخل الوكالات كـ”موظفين حكوميين خاصين” لمدة لا تزيد على 130 يوماً، قبل دمج بعضهم لاحقاً. وفي سبتمبر/أيلول، أشارت وثيقة طوارئ إلى أن الإدارة تضم 45 موظفاً، لكن لم يعد واضحاً ما إذا بقي أي منهم في موقعه.

وأكد مدير مكتب شؤون الموظفين لرويترز أن DOGE “لم تعد موجودة”، رغم تمديد ترامب تفويضها حتى 2026. كان هذا أول اعتراف غير رسمي بنهاية المشروع.

 بدأ التراجع الحقيقي في مايو/أيار، حين دخل ماسك وترامب في مواجهة علنية حول مشروع قانون ضريبي. الخلاف أنهى عملياً النفوذ الاستثنائي الممنوح لماسك، وتقلصت صلاحياته تدريجياً إلى أن استقال من دوره في الإدارة.

ورغم محاولات إصلاح العلاقة بين الرجلين لاحقاً، لم تستعد المبادرة زخمها، وانتقل موظفوها إلى مواقع حكومية مختلفة.

التدقيق المالي يُربك الحسابات

ادّعت DOGE أنها وفرت 214 مليار دولار، لكن تحقيقاً لـ”بوليتيكو” وجد أن حساباتها تعتمد على “أقصى الإنفاق الممكن” لا الإنفاق الفعلي. كما أشارت منظمات غير ربحية وخبراء ميزانية إلى أن وفورات المبادرة صافية محدودة، وأنها تمثل فهماً قاصراً لأسباب العجز الفيدرالي.

وأفادت “شراكة الخدمة العامة”، وهي منظمة أمريكية غير ربحية تُركز على القوى العاملة الحكومية، بأن تخفيضات إدارة الكفاءة الحكومية تأتي مع تكاليف ذات صلة، ما يُؤدي إلى وفورات صافية ضئيلة.

ووصف خبراء بميزانيات الحكومة، منهم جيسيكا ريدل من “بروكينغز”، إدارة الكفاءة الحكومية بأنها “مسرحية لخفض الإنفاق تنطوي على سوء فهم تام للعوامل الرئيسية المسببة للعجز”، في إشارة إلى برامج الاستحقاق التي توفر مزايا التقاعد والرعاية الصحية لكبار السن، مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. فيما عدّها بوبي كوغان، المدير الأول لسياسة الميزانية الفيدرالية في مركز صندوق العمل للتقدم الأمريكي، بأنها “فشل عميق”، مرجحاً أن يكون الإنفاق الحكومي الإجمالي أعلى في السنة المالية 2025 مقارنة بالعام الماضي.

عودة فاترة لماسك

ورغم خروجه من المبادرة، حافظ ماسك على حضور سياسي محدود، إذ ظهر في مناسبات إلى جانب الرئيس، وحضر عشاءً رسمياً مع ولي العهد السعودي. بينما يؤكد البيت الأبيض أن مبادئ DOGE لا تزال حيّة، فإن المبادئ وحدها لا تكفي لبلورة سياسة دون مؤسسات. وفي ظل تلاشي الهيكل، والقيادة، بات تأثير إدارة الكفاءة الحكومية محصوراً في إجراءات مشتتة تعمل عليها وكالات متعددة مثل مكتبَي إدارة شؤون الموظفين (USOPM) و(WHOMB).

 يعكس انتهاء DOGE تغيراً في أولويات إدارة ترامب. فبعد الوعود الضخمة بخفض النفقات، يبدو أن واشنطن تتجه نحو مقاربة أكثر تحديداً وتركيزاً. ومع تلاشي الهيكل والقيادة، بات أثر DOGE محصوراً في مبادرات متفرقة داخل وكالات متعددة.

قصة DOGE تُجسد نموذجاً لمبادرات حكومية تُطلق بزخم كبير لكنها تصطدم بسرعة بتحديات الواقع: نقص الشفافية، تعارض الصلاحيات، الصراعات السياسية، والدعاوى القضائية. وهكذا انتهى مشروع طموح قبل أوانه، تاركاً أسئلة حول جدوى استراتيجيات تقليص الحكومة عندما تُبنى على الاندفاع السياسي أكثر من التخطيط المؤسسي.