تستعد مدينة الجم التونسية، الواقعة في محافظة المهدية، لاستقبال عشاق الموسيقى الكلاسيكية من مختلف أنحاء العالم مع انطلاق الدورة الجديدة من المهرجان الدولي للموسيقى السمفونية، الذي يحتضنه المدرج الروماني الشهير بالمدينة. ويُعد هذا الصرح الأثري أحد أبرز المعالم التاريخية في تونس، ويُقارن غالباً بـ “الكولوسيوم” الروماني في روما نظراً لتشابه طرازهما المعماري، ما جعله وجهة سياحية وثقافية بارزة تستقطب الزوار من داخل تونس وخارجها.
تأسس مهرجان الجم الدولي قبل نحو أربعة عقود بمبادرة من الرئيس التونسي الأسبق بالنيابة محمد الناصر، عندما كان يتولى رئاسة بلدية الجم، ليصبح مع مرور السنوات أعرق مهرجان متخصص في الموسيقى السمفونية في العالم العربي ومنطقة جنوب المتوسط. وتنظم التظاهرة وزارتا الثقافة والسياحة التونسيتان، حيث شهدت دورات سابقة مشاركة مؤسسات موسيقية عالمية مرموقة، من بينها “أوبرا فيينا”، التي افتتحت المهرجان في أكثر من مناسبة، ما أسهم في ترسيخ مكانته على خريطة المهرجانات الموسيقية الدولية.
ألوان سمفونية
النسخة الـ39 للمهرجان ستكون بين 11 يوليو و15 أغسطس، وسيشهد الافتتاح عملاً أوبرالياً شهيراً يحيي واحداً من أشهر الأعمال الأوبرالية في العالم، وهو “ديدون وإينياس” للموسيقي البريطاني هنري بروسل، في صياغة جديدة من إخراج الفنان اللبناني عمر راجح وإنتاج “أوبرا تونس”، بدعم من المعهد الفرنسي. وسيشارك في هذا العمل عازفون فرنسيون، والسوبرانو الفرنسية كلير لوفلياتر.
كما يتضمن برنامج المهرجان مجموعة من العروض السمفونية، منها عرض أوركستر قرطاج السمفوني بقيادة المايسترو حافظ مقني الذي سيقدّم بمشاركة عازفين شباب مجموعة من الريبرتوار الكلاسيكي العالمي (12 يوليو)، وأوركسترا السمفونية لمدينة سوسة مع الفنان حمداني (18 يوليو)، و”ألوان من إسبانيا” لفرقة كاميريتا برشلونة (24 يوليو)، وعرض “الأندلس” بمشاركة الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة (25 يوليو)، بالإضافة إلى عرض لموسيقى الأفلام (6 أغسطس). وسيكون الاختتام يوم (15 أغسطس) مع الملحن وعازف الكمان النمساوي يوري روفيش.
عراقة التاريخ
ككل صيف منذ أربعين عاماً، ستضاء مدارج القصر الروماني بالجم الشاهد على عظمة المعمار الروماني وحقبة مهمة من تاريخ تونس، هذا المعلم النادر في العالم تقول عنه الدكتورة هاجر الكريمي مديرة المتاحف في وزارة الشؤون الثقافية والمحافظة السابقة للقصر: “قصر الجمّ أو مدرج تيسْدْروسْ، هو ثالث أكبر مسرح في العالم والأكبر على الإطلاق في شمال إفريقيا والعالم العربي، ويستقبل سنويّاً وفي فترات الذروة السياحية أكثر من نصف مليون زائر. تمّ بناؤه في بداية القرن الثالث ميلادي على إثر اندلاع الثورة الشهيرة، ثورة تيسدروس سنة 238 التي أدخلت روما في أزمة اقتصادية وأخضعت مجلس الشيوخ الروماني لخيارات أهالي تيسدروس الثائرين ضد الضرائب المجحفة، وتنصيب الإمبراطور غورديانوس الذي اختاره أعيان الجم ونبلاؤها”.
وتضيف الكريمي في ورقة أعدتها للتعريف بهذا النموذج المعماري النادر: “يعتبر هذا المعلم الأثري الأكثر رمزيّة تاريخية وجمالاً في تونس وفي جنوب الحوض الأبيض المتوسط”. ولأهمية هذا المعلم التاريخي تمّ تثبيته في قائمة التراث العالمي المحمي من “اليونسكو” سنة 1979.
ويعتبر “مدرج الجم، من بين المعالم المهمة من هذا النوع، أحد آخرها، إن لم يكن آخرها على الإطلاق ضمن المعالم التي شُيدت في العالم الروماني. وقد صُمم على غرار الكولوسيوم في روما، رغم أنه بُني بعد حوالي قرن ونصف وبعد عدة عقود على الأقل من تشييد جميع المباني الشهيرة الأخرى، واستفاد من التقدم التقني والخبرات المتراكمة على مر السنين. وبفضل ذلك، تم تجنب العيوب التي ظهرت عند استخدام مدرجات سابقة”.
وتؤكد الدكتورة هاجر الكريمي على الفوارق بين الجم وروما: “رغم أنه يشبه كثيراً الكولوسيوم، ولا يقل عنه إلا في الحجم، إلا أنه ليس مجرد نسخة مصغرة مطابقة تماماً للصرح الإيطالي، فهو يتميز في الواقع، ببعض السمات الخاصة به. كما أن الغياب التام للطوب أو الآجر الروماني يمثل جانباً آخر من الجوانب الإفريقية النموذجية لهذا المعلم. فالطوب، الذي كان المادة الأساسية التي شيد بها الكولوسيوم والعديد من المدرجات الأخرى، قد استُبدل هنا بالكامل بالحجر المنحوت والمهندم. إن هذا الحجر الرملي المستخرج من محاجر ريجيش بمحافظة المهدية هو الذي يضفي على المبنى مظهراً ضخماً وصارماً ويجعله مهيباً إلى هذا الحد”.
يمثّل قصر الجم، حسب إحصائيات وزارة السياحة، الوجهة السياحية الأولى بعد الصحراء التي تحظى بأقبال كبير من السياح الأوربيين، خاصة وقد حوّله المهرجان الدولي للموسيقى السمفونية إلى تحفة معمارية عندما تضاء النوافذ والشرفات ليلاً على أنغام الموسيقى الكلاسيكية مستعيداً مجده الروماني.
وهكذا، يتحول مدرج الجم كل صيف من معلم أثري يروي فصولاً من التاريخ الروماني إلى منصة عالمية تحتفي بالموسيقى الكلاسيكية وتجمع فنانين وجمهوراً من مختلف الثقافات. وبين عراقة المكان وثراء البرنامج الفني، يواصل مهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية ترسيخ مكانته كأحد أبرز التظاهرات الثقافية في العالم العربي والمتوسط، مؤكداً قدرة تونس على توظيف إرثها الحضاري في صناعة حدث ثقافي عالمي متجدد.















