بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (7-8)

أستراليا والمحيط الهادئ: العنف المتطرّف من الهامش الجغرافي إلى قلب البيئة الليبرالية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يُنظر إلى أستراليا ودول المحيط الهادئ تقليدياً بوصفها فضاءات بعيدة عن بؤر الصراع الكبرى في الشرق الأوسط وإفريقيا، وأكثر استقراراً على المستويين السياسي والأمني. غير أن هذا التصور بدأ يتآكل تدريجياً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، مع انتقال أنماط العنف المتطرف من ساحات الحرب المفتوحة إلى داخل مجتمعات ليبرالية مستقرة، تعتمد على الانفتاح وحماية الحقوق الفردية.

في هذا السياق، لم يعد العنف المتطرف ظاهرة مرتبطة بالجغرافيا والقرب من مناطق النزاع، بل بات نتاجاً لتفاعلات أيديولوجية ورقمية عابرة للحدود، تتسلل إلى المجتمعات المفتوحة عبر أفراد أو خلايا صغيرة يصعب رصدها مسبقاً. وهكذا، تحوّلت البيئة الليبرالية نفسها إلى ساحة غير مرئية للصراع الأيديولوجي.

من التنظيمات إلى الأفراد: تحوّل نمط التهديد

على عكس مناطق النزاع التقليدية، لا تواجه أستراليا تهديداً واسع النطاق من تنظيمات مسلّحة ذات بنية عسكرية واضحة، بل نمطاً مختلفاً من الإرهاب يقوم على العنف الفردي أو الهجمات التي ينفذها أشخاص معزولون من دون ارتباط تنظيمي مباشر. هذا النمط، الذي برز مع تراجع قدرة التنظيمات الجهادية على تنفيذ عمليات معقّدة، يعتمد على التحريض الأيديولوجي عن بُعد، واستثمار هشاشة نفسية أو اجتماعية لدى بعض الأفراد.

تسعى هذه الاستراتيجية إلى تحقيق أثر رمزي وإعلامي كبير بأدوات بسيطة، مع تقليل المخاطر التنظيمية، وهو ما يجعلها أكثر صعوبة في الكشف المسبق، وأشد إرباكاً للأجهزة الأمنية.

هجمات مفصلية كسرت وهم الحصانة

على الرغم من محدودية عدد العمليات الإرهابية مقارنة بمناطق أخرى، شهدت أستراليا أحداثاً شكّلت صدمة وطنية. من أبرزها هجوم مقهى ليندت في سيدني عام 2014، عندما احتجز مسلح متأثر بخطاب جهادي رهائن، ما أسفر عن مقتل شخصين. كما شهدت مدينة ملبورن عام 2018 هجوماً بالسلاح الأبيض وإطلاق نار نفذه شخص متأثر بدعاية تنظيم داعش، في مؤشر واضح على انتقال نموذج العنف الفردي إلى قلب المدن الأسترالية.

في فضاء المحيط الهادئ الأوسع، شكّل هجوم كرايست تشيرش في نيوزيلندا عام 2019، الذي نفّذه متطرف يميني وقتل 51 مسلماً داخل مسجدين، لحظة كاشفة لهشاشة المجتمعات الليبرالية أمام العنف الفردي. وعلى الرغم من اختلاف الخلفية الأيديولوجية، أظهر الهجوم أن الإرهاب لم يعد حكراً على تيار واحد، بل ظاهرة متعددة الأوجه تتغذى على التطرف، أياً كان مصدره.

التحريض الرقمي: استراتيجية بلا قيادة مباشرة

تعتمد الحركات الإسلامية الأصولية في أستراليا على نموذج يختلف جذرياً عن أساليبها في مناطق النزاع. فهي لا تسعى إلى السيطرة على الأرض أو بناء هياكل تنظيمية علنية، بل تركّز على التحريض الأيديولوجي عبر الفضاء الرقمي. من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المشفّرة، يُعاد إنتاج خطاب المظلومية والاغتراب، وتوجيه رسائل مصمّمة لاستقطاب أفراد يشعرون بفقدان المعنى أو أزمة الهوية أو التهميش الثقافي.

ويوفّر هذا النموذج للجماعات المتطرفة هامش إنكار واسع، إذ يمكنها التنصل من المسؤولية المباشرة عن أي هجوم، واعتباره فعلاً فردياً، رغم وضوح الأثر التحريضي للدعاية الرقمية.

القيم الليبرالية بين الحماية والاستغلال

تكمن إحدى المفارقات المركزية في أن القيم الليبرالية ذاتها – مثل حرية التعبير، وحماية الخصوصية، والانفتاح الثقافي – قد تتحوّل أحياناً إلى مساحات تستغلها الجماعات المتطرفة للمناورة. فصعوبة المراقبة الاستباقية، والحرص القانوني على عدم استهداف جماعات دينية أو عرقية بعينها، تضع الأجهزة الأمنية أمام معادلة دقيقة بين حماية الأمن العام وصون الحقوق والحريات.

ولا يمكن فهم هذا النمط من العنف بمعزل عن العوامل النفسية والاجتماعية. وفي هذا الصدد، تشير دراسات أمنية إلى أن عدداً من المتورطين في قضايا التطرف لا ينتمون بالضرورة إلى الفئات الأكثر فقراً أو تهميشاً اقتصادياً، بل يعانون من هشاشة نفسية، أو شعور بالاغتراب، أو أزمة هوية. عند هذا الفراغ، تلعب الجماعات المتطرفة دور “المفسّر” للعالم، مقدّمة سرديات مبسطة تبرر العنف بوصفه ردّاً على ظلم متخيَّل أو إقصاء ثقافي.

الإرهاب كشبكة عابرة للمكان

لم يعد الإرهاب في أستراليا والمحيط الهادئ قائماً على التخطيط المركزي أو التوجيه المباشر، بل تحوّل إلى ظاهرة شبكية مرنة، تنتقل عبر الروابط الفكرية والرمزية أكثر مما تعتمد على الأوامر. فالأفكار المتطرفة تنتشر اليوم كعدوى أيديولوجية، تتغذى على الأحداث العالمية، وتعيد إنتاج نفسها محليا بصيغ مختلفة، مستفيدة من هشاشة بعض الأفراد وقدرتها على التكيّف مع السياقات الثقافية المتباينة.

هذا التحول جعل التهديد أقل وضوحاً، وأكثر تعقيداً من حيث الاحتواء، إذ بات الإرهاب يتخفّى داخل الحياة اليومية، ويتخذ من الفرد نفسه أداة ورسالة في آن واحد.

تعدّد مصادر التهديد: تطرف ديني ويميني

لا يقتصر التهديد في أستراليا على الحركات الإسلامية الأصولية، بل يتقاطع مع صعود التطرف اليميني العنيف، ما يخلق بيئة تهديد مركّبة. هذا التعدد يُظهر أن المشكلة لم تعد أيديولوجية بحتة، بل بنيوية، ترتبط بالاستقطاب المجتمعي، والخطاب السياسي، وتآكل الثقة داخل المجتمعات الليبرالية.

وقد بيّنت التجربة الأسترالية أن القوانين الصارمة والإجراءات الأمنية، رغم أهميتها، غير كافية وحدها. فعلى الرغم من نجاح الأجهزة المختصة في إحباط عدد من المخططات، تبقى جذور التطرف قائمة ما لم تُعالَج العوامل الاجتماعية والتعليمية والرقمية التي تغذّيه.

الصراعات البعيدة وتأثيرها القريب

يبقى التحدي الأكبر أن أستراليا، على الرغم من بعدها الجغرافي، ليست بمنأى عن تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط وإفريقيا. فكل تصعيد إقليمي، أو حرب، أو أزمة سياسية، يجد طريقه سريعاً إلى الفضاء الرقمي، حيث يُعاد إنتاجه في خطاب تعبوي يستهدف الأفراد في المجتمعات الغربية، ما يؤكد أن الإرهاب اليوم ظاهرة عالمية متصلة فكرياً ودعائياً.

يمكن القول، إن تجربة أستراليا والمحيط الهادئ تكشف أن الإرهاب لم يعد بحاجة إلى ساحات قتال أو تنظيمات ضخمة ليكون مؤثراً. فالعنف الفردي، المدفوع بأيديولوجيات عابرة للحدود، بات قادراً على زعزعة مجتمعات مستقرة، واستنزاف أنظمتها الأمنية، وطرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين الحرية والأمن. ومواجهة هذا التحدي لا تكون بتقييد القيم الليبرالية، بل بتحصينها عبر سياسات ذكية تعالج جذور التطرف، قبل أن يتحوّل فرد معزول إلى تهديد وطني.