بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

“أزواد 2025”: عام الموت والخراب.. توثيق حقوقي لسياسة الأرض المحروقة والإبادة الصامتة

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

كشف التقرير السنوي الصادر عن جمعية Kal-Akal الحقوقية عن تدهور غير مسبوق في أوضاع حقوق الإنسان بإقليم أزواد في شمال مالي خلال عام 2025، واصفاً إياه بـ “عام الموت والخراب”. التقرير، المبني على رصد ميداني وشهادات محلية، لا يكتفي بتعداد الضحايا، بل يحاول تفكيك التحول في طبيعة العنف، من مواجهات عسكرية متقطعة إلى نمط أوسع يستهدف البنية المجتمعية والاقتصادية للسكان المدنيين.

وفق خلاصاته، شهد الإقليم ممارسات تتجاوز منطق العمليات العسكرية التقليدية، باتجاه تدمير ممنهج لمقومات الحياة الأساسية، في سياق يوصف – بحذر – بأنه يقترب من تطبيق سياسة “الأرض المحروقة”.

 من اتفاقيات السلام إلى فراغ القوة المدمر

لفهم فداحة ما جرى في 2025، يجب العودة إلى السياق السياسي والأمني المتدهور في إقليم أزواد (شمال مالي). تاريخياً، شهدت المنطقة صراعات متجددة بين الحركات الأزوادية المطالبة بالحكم الذاتي أو الاستقلال وبين الحكومة المركزية في باماكو.

بعد انهيار “اتفاق السلم والمصالحة” المنبثق عن مسار الجزائر (2015)، وانسحاب القوات الدولية والأممية (مينوسما) في أواخر 2023 وطوال 2024، نشأ فراغ أمني خطير. استغلت الحكومة المركزية في باماكو، مدعومة بحلفاء دوليين جدد (بما في ذلك قوات فاغنر الروسية بحسب تقارير دولية عديدة)، هذا الفراغ لشن حملات عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على الشمال.

تحولت هذه الحملات في عام 2025 من استهداف المقاتلين إلى عقاب جماعي للحاضنة الاجتماعية في أزواد. من المرجح أن الهدف لم يعد مجرد السيطرة العسكرية، بل كسر إرادة السكان عبر استراتيجية تدمير شاملة تجعل البقاء في الإقليم مستحيلاً، وهو ما مهد الطريق للانتهاكات الجسيمة التي وثقتها “كال-أكال”.

فاتورة الدم: الإعدامات الميدانية والإخفاء القسري

يوثق تقرير “كال-أكال” حصيلة مفزعة للخسائر البشرية المباشرة. فقد وثقت الجمعية مقتل 573 شخصاً خلال عام واحد فقط. الخطير في هذا الرقم هو طبيعة القتل؛ حيث لم يسقط هؤلاء في تبادل لإطلاق النار، بل قضوا نتيجة “إعدامات ميدانية” نفذتها قوات برية، أو عبر “ضربات جوية” (بما في ذلك الطائرات المسيرة) استهدفت تجمعات مدنية وقرى نائية دون تمييز.

 

GWA

بالموازاة مع القتل المباشر، تفشى سلاح الرعب المتمثل في الإخفاء القسري. وسجل التقرير 276 حالة اختفاء قسري، حيث يتم اختطاف المدنيين من منازلهم أو في الطرقات، واقتيادهم إلى جهات مجهولة، وغالباً ما يتعرضون لـ “الاختطاف والتعذيب” الممنهج لانتزاع معلومات أو للترهيب، وسط انقطاع تام لأخبارهم عن ذويهم، ما يترك المجتمع في حالة من الرعب الدائم.

تطبيق سياسة “الأرض المحروقة”: تجفيف منابع الحياة

الجزء الأكثر رعباً في تقرير 2025 هو التوثيق الدقيق لما وصفه المراقبون بسياسة “الأرض المحروقة”. لم تقتصر الهجمات على البشر، بل طالت كل ما يبقيهم على قيد الحياة في بيئة صحراوية قاسية، وذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية، هي:

  1. الانهيار الاقتصادي المبرمج:

استهدفت الهجمات العصب الاقتصادي للمجتمعات المحلية. وثق التقرير تدميراً ممنهجاً للأسواق الشعبية التي تعد شريان الحياة التجاري الوحيد، بالإضافة إلى نهب وتدمير الممتلكات الخاصة والمواشي، مما أدى إلى إفقار فوري للسكان وضرب قدرتهم على الصمود المادي.

  1. الأزمة الإنسانية كسلاح حرب:

في خطوة ترقى لجرائم الحرب، تم استخدام العطش كسلاح. رصد التقرير تعمّد القوات المهاجمة تدمير مصادر المياه (الآبار والمحطات)، وهي موارد نادرة وحيوية في أزواد. هذا الحرمان من المياه والخدمات الأساسية يهدف بشكل مباشر إلى دفع السكان للنزوح القسري، حيث يصبح البقاء في قراهم حكماً بالموت عطشاً.

  1. التدمير البيئي طويل الأمد:

لم تسلم البيئة من العدوان. أشار التقرير إلى أضرار بيئية جسيمة شملت “تلوث وتدمير للمراعي”. في مجتمع يعتمد بشكل أساسي على الرعي، فإن حرق المراعي أو تلويثها يعني القضاء على الأمن الغذائي لسنوات قادمة، وضمان عدم قدرة النازحين على العودة لممارسة حياتهم التقليدية.

نداء أخير قبل الفناء

يخلص تقرير Kal-Akal إلى أن ما شهده أزواد في 2025 يمثل تصعيداً نوعياً في مسار العنف، مع مؤشرات على نمط انتهاكات قد يرقى – في حال ثبوته عبر تحقيقات مستقلة – إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

وتضع هذه المعطيات المجتمع الدولي، والمؤسسات الأممية، والآليات القضائية أمام مسؤولية واضحة: التحقيق، والمساءلة، ومنع تحوّل الصراع إلى عملية تدمير صامت للمجتمعات المحلية.