شكّل تراجع الحكومة العراقية عن إدراج حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله الحوثي ضمن قائمة لتجميد الأصول، خطوة لافتة تعكس المعضلة التي يواجهها العراق كلما حاول اتخاذ قرارات تتقاطع مع ملفات أمنية شائكة ذات امتدادات إقليمية. فالقرار الأول، الذي بدا محاولة لدفع الدولة نحو التزامات أكثر صرامة في مكافحة تمويل الجماعات المسلحة، ارتد سريعاً تحت ضغط داخلي–سياسي وشعبي، وتوازنات إقليمية يتعذر تجاهلها، ما أظهر حدود القدرة على صناعة قرار مستقل في بيئة مشبعة بالفاعلين المسلحين والنفوذ الخارجي.
أضعف التراجع صورة الحكومة داخلياً وخارجياً، إذ اعتُبر دليلاً على هشاشة القرار السياسي، وانكشافه أمام ضغوط قوى محلية نافذة. وعمّق ذلك الانقسامات بين القوى السياسية، بالتوازي مع بروز الدور غير المباشر للنفوذ الإيراني كعامل أساسي في رسم سقف الحركة المتاحة لبغداد. وأي خطوة تُفهم كاستهداف لجماعات حليفة لطهران قد تدُخل العراق في مسار توتر إقليمي يهدد استقراره وموقعه ضمن منظومة التعاون في مكافحة التطرف.
تجنّب مواجهة مفتوحة
لا يمكن قراءة التراجع بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالإدراج الأول كان سيُفهم في طهران، وفي أوساط قريبة منها داخل العراق، كخطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز فكرة “القائمة المالية”. وهو ما كان سيفتح الباب أمام ردود فعل مباشرة أو غير مباشرة من جماعات مسلّحة محلية ذات ارتباطات إقليمية، أو أمام تصعيد على الحدود.
وباعتبار العراق دولة محورية في الشرق الأوسط، فإن أي تصعيد ضد الميليشيات كان يمكن أن يكون له انعكاسات أوسع على توازن القوى في لبنان واليمن وحتى سوريا. هذا الواقع يوضح أن التراجع كان خطوة ضرورية لتفادي مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار العراق والمنطقة بأكملها.
كما أرسل التراجع رسالة واضحة لإيران، مفادها أن الحكومة العراقية حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع الميليشيات، وأن أي تحرك ضد حزب الله أو الحوثيين قد يُفسر على أنه عدوان غير مباشر على طهران، ما يهدد استقرار المنطقة ويضع العراق في مواجهة محتملة مع قوة إقليمية كبيرة.
الضغوط الدولية واختبار القدرة
على المستوى الدولي، شكل هذا القرار إحباطاً للضغوط الأمريكية والغربية، وأظهر صعوبة فرض سياسات تجميد الأصول أو التصنيفات الإرهابية على دول ذات واقع داخلي حساس، وقلل من قدرة واشنطن وحلفائها على التأثير في قرارات مماثلة مستقبلاً.
يعيد هذا التراجع تعريف العلاقة بين العراق والخارج، ويظهر أن بغداد توازن بين الالتزامات الدولية والضغوط المحلية، وأن أي قرار حساس يجب أن يتم بعد توافق مع الفصائل المؤثرة، وهو مؤشر على حذر سياسي في إدارة ملفات حساسة على مستوى المنطقة.
ضغط شعبي وسياسي
داخلياً، تعكس هذه الخطوة حساسية الواقع السياسي والاجتماعي في العراق. فقد أدى إدراج حزب الله والحوثيين ضمن قائمة لتجميد الأصول في البداية، إلى صدمة واسعة بين الأوساط الشيعية والفصائل الموالية لإيران، وكذلك في الشارع المؤيد للميليشيات، حيث اعتبر كثيرون القرار خضوعاً للضغوط الأمريكية وتهديداً للسيادة الوطنية.
الضغط السياسي الداخلي كان كبيراً من فصائل شيعية مؤثرة داخل البرلمان والمجتمع المدني، الذين أبدوا رفضهم لأي تصنيف قد يضع الحكومة في مواجهة مع حلفاء إقليميين مهمين. كما أسهم رفض شعبي وسياسي واسع في دفع الحكومة إلى التراجع سريعاً، إذ اعتبرت الجماهير والفصائل المؤيدة للميليشيات القرار خيانة لقضايا المنطقة ودعم بعض الملفات الإقليمية الحساسة، ما أثار مخاوف جدية من اضطرابات سياسية واجتماعية محتملة.
من الناحية الأمنية، كان تصنيف حزب الله والحوثيين كمنظمات إرهابية سيؤدي إلى تصاعد التوترات الداخلية وزيادة الانقسامات الطائفية، خصوصاً في بلد منقسم سياسياً ومذهبياً مثل العراق، ما يجعل أي قرار أحادي محفوفاً بالمخاطر ويعرّض البلاد لاضطرابات محتملة في الأمن الداخلي والسياسة المحلية.
النفوذ الإيراني
لعبت إيران دوراً غير مباشر لكنه بالغ الأهمية عبر حلفائها في العراق. فصائل شيعية موالية لها، بما فيها بعض الميليشيات في الحشد الشعبي، مارست ضغطاً مستمراً على الحكومة لمنع إدراج الميليشيات كمنظمات إرهابية، معتبرة أن أي خطوة من هذا النوع تهدد الاستقرار الداخلي والعلاقات مع طهران.
كما حذّر النواب الموالون لإيران من تداعيات التصنيف على الاستقرار السياسي، ما ساعد على دفع الحكومة إلى التراجع. على المستوى الاستراتيجي الإقليمي، حرصت إيران على إرسال رسالة ردع بأن أي تحرك ضد الميليشيات، سيفسّر كتهديد مباشر لطهران، وبالتالي كان التراجع خطوة لتجنب أزمات أوسع تهدد مصالح إيران وحلفائها في المنطقة.
خلفيات الإدراج الأول
جاء الإدراج الأول في إطار سعي الحكومة لتأكيد التزامها بمعايير دولية في مكافحة تمويل الجماعات المسلحة، وتوجيه رسالة بأنها غير منفتحة بلا ضوابط على نشاطات خارجية عابرة للحدود.
لكن القرار حمل منذ البداية علامات هشاشة، في ظل توازنات داخلية معقدة، وضعف قدرة الدولة على فرض إجراءات لا تحظى بغطاء سياسي واسع.
يعيش العراق منذ سنوات تناقضاً جوهرياً بين الرغبة في تعزيز الشراكات الدولية ومحدودية المناعة الداخلية، وهو تناقض يظهر بوضوح كلما اقترب ملف ما من حدود القوة الفعلية داخل الدولة.
الرابح والخاسر
لا يقدّم التراجع انتصاراً واضحاً لأي طرف، بقدر ما يكشف حدود قدرة النظام السياسي الحالي على اتخاذ قرارات حساسة في ظل تعدد مراكز النفوذ.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام بغداد في بناء قدرة مؤسسية مستقلة تجعل قراراتها أقل عرضة للتراجع السريع وأقل ارتباطاً بالمعادلات الإقليمية.
على المدى القريب، سيبقى العراق يتحرك بين الاستجابة الجزئية للضغوط الدولية والحفاظ على توازن داخلي هشّ. أما على المدى البعيد، فإن المعركة المركزية ليست في لوائح التصنيف، بل في استعادة الدولة لدورها كمرجعية وحيدة في القرارات الأمنية والسيادية.















