بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

منظمة الأمم المتحدة

أربع نساء ورجلان أمام غرفة “الفيتو”.. سباق خلافة غوتيريش أمام اختبار القوى الكبرى

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

وقف المرشحون الستة أمام الكاميرات، تحدثوا عن السلام والتنمية وإصلاح الأمم المتحدة، وقدّم كل منهم صورته الخاصة للقيادة التي تحتاجها المنظمة. بدت المنصة مفتوحة، والعملية أكثر شفافية من السباقات القديمة التي كانت تُحسم بعيداً عن الجمهور، لكن الدول التي ستقرر النتيجة لم تكن على المنصة.

خلف الكلمات والبرامج، كانت خمس عواصم تراقب: واشنطن وموسكو وبكين وباريس ولندن. لكل منها حساباتها، وحروبها، وتحالفاتها، وخطوطها التي لا تريد أن يتجاوزها الأمين العام المقبل. وما إن تنطفئ أضواء المناظرات حتى ينتقل السباق إلى المكان الذي حُسمت فيه جميع الانتخابات السابقة تقريباً: مجلس الأمن، أو ما يمكن تسميته عملياً “غرفة الفيتو”.

هنا لا ينتصر صاحب البرنامج الأكثر إقناعاً بالضرورة، ولا صاحب السيرة الأطول. الفائز هو من يستطيع الحصول على تأييد كافٍ، وتجنب اعتراض دولة واحدة من الدول الخمس دائمة العضوية. إنه اختبار غريب لمنصب يفترض أن يمثل العالم؛ إذ يبدأ الطريق إليه بالمرور من بوابة ضيقة لا يملك مفاتيحها سوى عدد محدود من القوى.

وتضم القائمة الرسمية، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ريبيكا غرينسبان، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال، والرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت، والرئيسة السابقة للجمعية العامة ماريا فرناندا إسبينوزا، والمندوبة الدائمة لغويانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغز بيركيت.

ستة أسماء، وست تجارب سياسية ودبلوماسية مختلفة، لكن المنافسة الحقيقية لا تدور فقط حول من يعرف الأمم المتحدة أكثر، بل حول نوع الأمين العام الذي تستطيع القوى الكبرى التعايش معه.

امرأة تقود الأمم.. وعد بلا ضمانة

تحمل قائمة المرشحين صورة لافتة: أربع نساء مقابل رجلين، وخمسة مرشحين من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي مقابل مرشح إفريقي واحد.

بعد ثمانية عقود وتسعة أمناء عامين من الرجال، يبدو اختيار أول امرأة لقيادة المنظمة استحقاقاً يصعب تجاهله. كما ترى دول أمريكا اللاتينية والكاريبي أن الدور قد حان لوصول شخصية من الإقليم إلى المنصب.

لكن الأمم المتحدة لا تعمل وفق قاعدة مكتوبة تضمن أياً من الأمرين. لا يوجد تناوب جغرافي ملزم، ولا نص يفرض اختيار امرأة. تستطيع الدول الكبرى الإشادة بالتمثيل والتنوع، ثم استخدام الفيتو وفق حسابات لا علاقة لها بالجغرافيا أو النوع الاجتماعي.

هنا تظهر الفجوة بين الشرعية السياسية وسلطة القرار. فقد يمنح اختيار امرأة أو مرشح من إقليم لم يقد المنظمة من قبل النتيجة قبولاً أوسع، لكنه لا يضمن عبور الاسم من مجلس الأمن. وقد يفوز مرشح يحظى بقبول القوى الكبرى، حتى لو أثارت النتيجة أسئلة حول تمثيل بقية العالم.

كما أن كثرة المرشحين من أمريكا اللاتينية والكاريبي لا تعني أن الإقليم موحد خلف اسم واحد. على العكس، قد توزع المنافسة الأصوات وتضعف قدرة المنطقة على فرض مرشحها، أو تفتح المجال أمام ظهور اسم توافقي جديد عندما تبدأ الاعتراضات في إسقاط الأسماء الحالية.

عالم كامل خلف بوابة خمس دول

ينص ميثاق الأمم المتحدة على أن تعيّن الجمعية العامة الأمين العام بناء على توصية من مجلس الأمن. تبدو العبارة إجرائية، لكنها تختصر بنية القوة داخل المنظمة كلها.

الجمعية العامة تضم 193 دولة، غير أن دورها يأتي بعد أن يكون مجلس الأمن قد حسم الاسم القابل للمرور. يحتاج المرشح إلى تأييد تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر، لكن هذا التأييد لا يكفي إذا قررت الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو فرنسا أو بريطانيا استخدام حق النقض ضده.

وتسبق التصويت الرسمي اقتراعات استطلاعية غير ملزمة، يعبّر فيها أعضاء المجلس عن “تشجيع” المرشح أو “عدم تشجيعه”، أو يتركون موقفهم من دون تحديد. تبدو العبارات دبلوماسية، لكن كلمة واحدة منها قد تنهي حملة كاملة، خصوصاً إذا صدرت عن دولة دائمة العضوية.

لهذا لا تكون المناظرات سوى النصف العلني من السباق. أما النصف الآخر فيجري داخل الاجتماعات المغلقة، وفي الاتصالات بين العواصم، وفي عملية فحص لا تتعلق فقط بكفاءة المرشح، بل بمواقفه السابقة وحدود استقلاله ومدى استعداده لمعارضة الدول التي أوصلته إلى المنصب.

تبحث القوى الكبرى في ملفات المرشحين كما لو أنها تبحث عن المخاطر المحتملة: كيف يتعامل المرشح مع حرب أوكرانيا؟ ما موقفه من غزة؟ هل يضغط في ملفات حقوق الإنسان؟ هل يدعم إصلاح مجلس الأمن؟ كيف ينظر إلى العقوبات والتمويل الدولي؟ وماذا يمكن أن يفعل عندما تكون الدولة المتهمة في أزمة ما واحدة من الدول التي تملك حق إسقاطه؟

المنظمة تحتاج أميناً عاماً يستطيع مخاطبة الأقوياء، لكن السباق مصمم بحيث لا يصل إلى المنصب من يعجز الأقوياء عن احتماله.

خبرات مختلفة تحت مجهر واحد

يدخل رافائيل غروسي السباق من أكثر أبواب النظام الدولي حساسية. فقد قاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال أزمات ارتبطت بالبرنامج النووي الإيراني والمنشآت النووية في أوكرانيا، وتعامل مباشرة مع حكومات كبرى في ظروف يختلط فيها الفني بالسياسي والأمني.

تمنحه هذه الخبرة صورة الدبلوماسي الذي يعرف كيف يتحدث مع الخصوم، لكنها تضعه أيضاً تحت مجهر الدول التي ستراجع مواقفه واتصالاته وقراراته السابقة. ففي سباق الأمين العام، قد تتحول الخبرة نفسها إلى نقطة قوة أو مصدر تحفظ، بحسب العاصمة التي تقرأ السيرة.

أما ريبيكا غرينسبان، فتحمل معها سؤالاً مختلفاً: هل تحتاج الأمم المتحدة إلى قيادة تعيد التنمية والديون والتفاوت الاقتصادي إلى مركز النقاش العالمي؟ خبرتها في الأونكتاد والمؤسسات الاقتصادية الدولية تمنحها موقعاً متقدماً في الملفات التي تضغط على الدول النامية، لكنها تدخل منافسة تقررها في النهاية دول لا تنظر جميعها إلى إصلاح النظام الاقتصادي الدولي بالطريقة نفسها.

ويقدم ماكي سال نفسه من بوابة إفريقيا، القارة التي لا تزال تطالب بحضور يتناسب مع ثقلها الديموغرافي والسياسي داخل المؤسسات الدولية. يحمل معه تجربة رئاسية وعملاً داخل الأطر الإفريقية والدولية، لكن ترشيحه يواجه حقيقة أن الحديث عن تمثيل القارة لا يتحول تلقائياً إلى موقف إفريقي موحد، ولا يضمن دعماً من القوى الخمس.

وتأتي ماريا فرناندا إسبينوزا وكارولين رودريغز بيركيت من داخل الدبلوماسية متعددة الأطراف. ترأست إسبينوزا الجمعية العامة، وعملت في حقائب سيادية في الإكوادور، بينما راكمت رودريغز بيركيت خبرة في وزارة خارجية غويانا وتمثيل بلادها لدى الأمم المتحدة.

تعرف المرشحتان دهاليز المؤسسة، ولغتها، وحدود حركتها. لكن معرفة النظام لا تعني بالضرورة القدرة على تغييره، وقد تصبح الخبرة الأممية في نظر بعض الدول ضمانة للاستقرار، وفي نظر دول أخرى دليلاً على الانتماء إلى المؤسسة نفسها التي يطالب كثيرون بإصلاحها.

وبخصوص ميشيل باشيليت، فهي تحمل أثقل الرموز السياسية بين المرشحين. رئيسة سابقة لتشيلي ومفوضة سابقة لحقوق الإنسان، ارتبط اسمها بملفات وضعتها في مواجهة انتقادات من حكومات ومنظمات حقوقية في آن واحد.

وتكشف حملتها كيف يمكن أن يصبح المرشح جزءاً من صراعات بلاده حتى وهو يتنافس على منصب دولي. فقد سحبت الحكومة التشيلية دعمها لترشيحها، بينما استمرت باشيليت في السباق بدعم البرازيل والمكسيك. لم تعد المسألة هنا سيرة فردية فقط، بل خلافاً حول من يملك حق تمثيل الإقليم، وكيف يمكن لتحالفات عابرة للحدود أن تبقي مرشحاً في المنافسة بعد تخلي دولته عنه.

المرشح المقبول قد يكون الأمين الأضعف

يحتاج الأمين العام إلى موافقة القوى الكبرى كي يدخل مكتبه، لكنه يحتاج إلى مساحة من الاستقلال بعد دخوله. وبين الشرطين يقع التناقض الذي يطارد المنصب منذ تأسيس الأمم المتحدة.

فالمرشح الأكثر وضوحاً في مواقفه قد يكون الأكثر عرضة للفيتو، بينما قد يتمكن المرشح الأكثر حذراً من عبور المجلس. لكن الحذر الذي يساعده على الفوز قد يتحول لاحقاً إلى قيد يمنعه من تحدي الدول التي دعمته.

لا يملك الأمين العام جيشاً، ولا يستطيع فرض قرار على حكومة، ولا يملك سلطة تنفيذية مستقلة عن الدول الأعضاء. ومع ذلك، يستطيع فتح قنوات للوساطة، ووضع الأزمات على جدول الأعمال، وتعيين مسؤولين كبار، وتوجيه عمل البعثات، ومنح بعض القضايا شرعية دولية أو إبقاءها خارج دائرة النسيان.

قوة المنصب لا تأتي فقط من نصوص الميثاق، بل من قدرة صاحبه على استخدام الكلمة والمنصة والوساطة في مواجهة دول تملك الجيوش والمال والفيتو. ولذلك لا يكون السؤال: ما الصلاحيات التي يملكها الأمين العام؟ بل: ما المساحة التي يستطيع انتزاعها قبل أن تصطدم حركته بجدار القوى الكبرى؟

كان أنطونيو غوتيريش شاهداً على هذا القيد. فمن أوكرانيا إلى غزة، أصدر مواقف وتحذيرات ودعا إلى وقف القتال وحماية المدنيين، لكنه واجه مجلس أمن عاجزاً في أحيان كثيرة عن إنتاج موقف موحد. ظهرت الأمم المتحدة حاضرة في الإغاثة والبيانات، وغائبة عن القدرة على فرض التسويات. وسيبدأ خليفته من النقطة نفسها، وربما في عالم أكثر انقساماً.

تصويت على حدود المنظمة

عندما تبدأ الاقتراعات غير الرسمية، ستفقد البرامج بريقها تدريجاً، وتظهر خريطة الاعتراضات. سيتضح من يستطيع جمع التأييد، ومن يحظى بدعم واسع لكنه يصطدم بدولة دائمة العضوية، ومن يمكن أن يتحول من مرشح بارز إلى اسم مستبعد في جولة واحدة.

لكن التصويت لن يكشف فقط من يتقدم. سيكشف أيضاً النموذج الذي تبحث عنه القوى الكبرى: هل تريد وسيطاً يمتلك جرأة مخاطبتها والضغط عليها، أم مديراً حذراً يحافظ على استمرار المؤسسة من دون الاقتراب كثيراً من مناطق نفوذها؟

قد تنجح الدول الخمس في الاتفاق على اسم، لكن الاتفاق وحده لا يعني أنها اتفقت على استعادة دور الأمم المتحدة. ربما تتوافق فقط على شخصية لا تهدد مواقعها ولا تفرض عليها كلفة سياسية مرتفعة. وهذه هي المفارقة الأخيرة في السباق: كلما كان المرشح أكثر قبولاً لدى القوى الكبرى، زاد السؤال حول مقدار الاستقلال الذي سيبقى له بعد الفوز.

لا يختار مجلس الأمن شخصاً لقيادة الأمم المتحدة فحسب. إنه يحدد، من خلال الشخص الذي يسمح له بالعبور، المسافة التي يمكن للمنظمة أن تتحرك داخلها، والقضايا التي تستطيع الاقتراب منها، والحدود التي يجب أن تتوقف عندها خلال السنوات الخمس المقبلة.