عاد إقليم فزّان إلى واجهة المشهد الأمني الليبي مع أحداث 31 يناير 2026، حين أعلنت مجموعة مسلحة تُطلق على نفسها اسم “ثوار الجنوب” سيطرتها المؤقتة على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، قبل أن تستعيد قوات القيادة العامة السيطرة بعد ساعات.
رغم قِصر زمن الحدث، فإنه كشف مجدداً عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها الجنوب الليبي، بوصفه منطقة رخوة أمنياً، ومسرحاً مفتوحاً للجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية، بما يجعل تداعياته تتجاوز الداخل الليبي لتطال سواحل المتوسط وأمن أوروبا.
ما الذي جرى؟ تسلسل سريع لحدث كثيف الدلالات
وفق معطيات ميدانية، سيطرت المجموعة المسلحة على المنفذ ومواقع محيطة في وادي البغرارة ونقطة سلفادور وكوداي بغرارة. وأعلنت اتهامات مباشرة لقوات تابعة للقيادة العامة بقيادة صدام حفتر، شملت التهريب والاتجار بالبشر والابتزاز ونهب الموارد وقمع الحريات، إلى جانب “تجويع الجنوب” عبر نقص الوقود والغاز والخدمات. تخلّل العملية أسر عناصر أمنية وغنيمة آليات وذخائر، وتمزيق صور لقيادة الشرق، في رسالة سياسية بقدر ما هي أمنية.
لكن المشهد انقلب سريعاً؛ إذ أعلنت القيادة العامة استعادة السيطرة الكاملة، وتحرير المحتجزين، وبدء ملاحقة المهاجمين الذين انسحب بعضهم نحو الصحراء والحدود. انتهت العملية عسكرياً، لكنها فتحت أسئلة استراتيجية أكبر: لماذا يظل الجنوب قابلاً للإختراق؟ ولماذا تتكرر الانفجارات الموضعية رغم تغيّر موازين القوى؟
فزّان: الجغرافيا التي تُغري المخاطر
يمتد فزّان على مساحات صحراوية شاسعة تربط ليبيا بعمق الساحل وغرب أفريقيا. هذه الجغرافيا، مع ضعف السيطرة المؤسسية، حوّلته إلى عقدة طرق غير رسمية لشبكات تهريب الوقود والسلاح والبشر، ومسار رئيسي للهجرة غير النظامية. كما شكّل فراغ السلطة تربة خصبة لاختباء جماعات إجرامية وتنظيمات متطرفة عابرة للحدود، تستثمر في هشاشة الحدود ووعورة التضاريس.
لا يقتصر الخطر هنا على الداخل الليبي؛ فالمسارات التي تنطلق من الجنوب تنتهي، في كثير من الأحيان، على سواحل المتوسط. وهذا ما يفسّر الاهتمام الأوروبي المزمن بملف الجنوب، ليس بوصفه قضية تنمية محلية فحسب، بل باعتباره خط تماس مباشر مع أمن الحدود والهجرة غير النظامية.
مجتمع متعدد.. ودولة غائبة
يقطن فزّان نسيج اجتماعي متنوع من الطوارق والتبو والعرب، تجمعهم روابط تاريخية عابرة للحدود. غير أن هذا التنوع، بدل أن يكون رافعة استقرار، تحوّل—في ظل غياب الدولة—إلى عامل توظيف في الصراع، حيث تُستدعى الانتماءات المحلية عند كل احتقان.
يشكو سكان الجنوب من نقص مزمن في الخدمات الأساسية: الوقود، الغاز، الكهرباء، الصحة، والتعليم. وتتعزز هذه الشكاوى بإحساس عميق بالإقصاء من القرار السياسي وتوزيع الموارد، سواء من حكومات الشرق أو الغرب. ومع كل موجة صراع بين المركزين، يدفع الجنوب الثمن الأكبر، دون أن يكون طرفاً فعلياً في هندسة التسويات.
الجنوب بين الشرق والغرب: إدارة أمنية بلا تنمية
منذ 2011، تعاقبت مقاربات أمنية على فزّان ركزت على “الضبط” أكثر من “البناء”. فبينما سعت سلطات الشرق إلى فرض السيطرة العسكرية، راهنت حكومات الغرب على تفاهمات محلية ظرفية. النتيجة واحدة: استقرار هشّ لا يصمد أمام صدمة صغيرة.

أحداث التوم تعكس هذا الخلل. فحتى مع قدرة القيادة العامة على استعادة المواقع سريعاً، يبقى السؤال عن الأسباب التي سمحت بحدوث الاختراق أصلاً. الأمن وحده لا يكفي إذا ظلّ السكان يشعرون بأنهم خارج عقد الدولة، وأن الجنوب مجرد ساحة عبور أو منطقة نفوذ، لا إقليماً بحقوق كاملة.
هل هي حركة احتجاج أم رسالة سياسية؟
الغموض الذي يحيط بـ”ثوار الجنوب” يزيد المشهد تعقيداً. فخطابها يلامس مظالم حقيقية، لكن أدواتها العسكرية تضعها في منطقة رمادية بين الاحتجاج المسلح وتصفية الحسابات. ثمة من يرى فيها تعبيراً محليًا عن غضب متراكم، وآخرون يقرؤونها ضمن صراع نفوذ داخلي، أو حتى كحلقة في شدٍّ إقليمي تُستثمر فيه هشاشة فزّان.
بغضّ النظر عن التفسير، فإن الحدث يذكّر بأن الجنوب سيظل قابلاً للاشتعال ما لم تُعالج جذور الأزمة: التنمية، التمثيل، والاندماج في مشروع وطني جامع.
التداعيات الإقليمية: من الصحراء إلى المتوسط
تراكم الأزمات في فزّان لا يبقى محصوراً داخل ليبيا. فكل انفلات أمني ينعكس توسعاً في شبكات التهريب والهجرة، ويغذّي اقتصاد الظل الذي تستفيد منه جماعات إجرامية وإرهابية. ومع كل موجة، ترتفع المخاطر على دول الجوار، ثم على أوروبا، التي تجد نفسها أمام تدفقات بشرية غير نظامية وتهديدات أمنية عابرة للحدود.
من هنا، تبدو معالجة الجنوب مسألة أمن إقليمي بقدر ما هي شأن ليبي داخلي. غير أن أي مقاربة تتجاهل التنمية والعدالة ستظل قصيرة الأجل، مهما بلغت كثافة الانتشار العسكري.
صداع مزمن بلا حل جذري
أحداث 31 يناير لم تكن استثناءً، بل عرضاً لمرض مزمن. فزّان، بموارده وموقعه، يمكن أن يكون جسراً للتكامل الإقليمي، لكنه يُدار اليوم كمنطقة هامشية. وبين صراع الشرق والغرب، يدفع الجنوب ثمن الإهمال، ويتحول—مرة بعد أخرى—إلى خاصرة رخوة تهدد الداخل الليبي ومحيطه المتوسطي.
إن لم يُعاد تعريف موقع فزّان في الدولة الليبية، بوصفه شريكاً لا ساحة، ستظل مثل هذه الأحداث تتكرر، بأسماء مختلفة، ورسائل أكثر حدّة.















