بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

هوية وطنية

آيسلندا بين مقعد بروكسل وسمكة في الأطلسي.. لماذا رفضت الجزيرة العودة إلى مفاوضات الاتحاد الأوروبي؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

كشفت نتيجة استفتاء آيسلندا بشأن استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عن صراع يتجاوز حدود العلاقة بين جزيرة صغيرة وبروكسل، ليطال هوية وطنية تشكلت على مدى قرن، ورؤيتين متعارضتين تماماً لمستقبل البلاد. واحدة تؤيد التواجد داخل المؤسسات الأوروبية التي تؤثر أصلاً في معظم حياتها الاقتصادية، والثانية ترى في البقاء خارج الكتلة مكسباً، مستفيدة من نفوذها الواسع بالفعل داخل السوق الأوروبية الموحدة، من دون أن تتنازل عن الجزء الأكبر من أدوات سيادتها.

كانت الإجابة في 29 أغسطس/آب واضحة، وإن بفارق ضئيل، إذ رفض 52.8% من الناخبين استئناف المفاوضات، مقابل 47.2% أيدوها، فيما بلغت المشاركة نحو 82.5%.

بين الأزمة المالية واليوم

لفهم نتيجة استفتاء 2026، لا بد من العودة إلى 2008، عندما تعرض الاقتصاد الآيسلندي لانهيار مصرفي هائل بعد سنوات من التوسع الائتماني، واضطرت الدولة آنذاك إلى إنقاذ القطاع المصرفي، من خلال دعم صندوق النقد الدولي. وفي 2009، وسط أزمة الثقة بالكرونة الآيسلندية والاقتصاد، تقدمت ريكيافيك رسمياً بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

كان المنطق في ذلك الوقت اقتصادياً بقدر ما كان سياسياً، فعضوية الاتحاد ثم احتمال اعتماد اليورو، كانا يُنظر إليهما كوسيلة لتثبيت العملة وخفض تكاليف التمويل واستعادة ثقة المستثمرين. وفي يوليو/تموز 2009، وافق البرلمان الآيسلندي على تقديم طلب العضوية، ثم أعطى الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر لبدء المفاوضات في 2010. وبحلول 2013، كانت آيسلندا قد فتحت 27 من أصل 33 فصلاً تفاوضياً موضوعياً، وأغلقت 11 منها بصورة مؤقتة.

لكن الأزمة نفسها التي دفعت الآيسلنديين نحو أوروبا بدأت تتلاشى. تعافى الاقتصاد، وعادت السياحة والصادرات والنشاط المالي، وتراجعت الحاجة الملحة إلى ملاذ نقدي آمن. وعندما وصلت حكومة آيسلندية متشككة في الاتحاد الأوروبي إلى السلطة العام 2013، جمّدت المفاوضات. وفي 2015 أبلغت بروكسل بأنها لا تريد أن تُعامل آيسلندا باعتبارها دولة مرشحة للعضوية. اللافت أن طلب العضوية نفسه لم يُسحب رسمياً، ما جعل العودة إلى الملف ممكنة من الناحية القانونية والسياسية بعد أكثر من عقد.

داخل أوروبا وخارج الاتحاد

ربما تكمن أهم مفاتيح النتيجة في حقيقة أن آيسلندا ليست دولة بعيدة عن أوروبا، بالمعنى الاقتصادي؛ فهي عضو في الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، وضمن المنطقة الاقتصادية الأوروبية منذ 1994، وبالتالي تتمتع بالنفاذ إلى السوق الأوروبية الموحدة وحرية حركة الأشخاص والخدمات والسلع ورؤوس الأموال. كما أنها جزء من منطقة شنغن. بعبارة أخرى، يستطيع الآيسلندي الحصول على معظم المزايا العملية للعلاقة الأوروبية من دون أن يكون مواطناً في دولة عضو بالاتحاد.

لكن هذه الصيغة تحمل تناقضاً أساسياً. آيسلندا تطبق جزءاً كبيراً من القواعد الأوروبية من دون أن يكون لها مقعد كامل في المؤسسات التي تضع تلك القواعد. ولهذا كان السؤال الذي طرحه مؤيدو العضوية بسيطاً، لماذا نطبق القوانين الأوروبية ولا نشارك بصورة كاملة في صياغتها؟

أما المعسكر الرافض فطرح السؤال المعاكس: إذا كانت الصيغة الحالية توفر لنا السوق الأوروبية ومنطقة شنغن والتجارة الحرة، فلماذا ندفع ثمن العضوية السياسية ونتخلى عن أدوات سيادية لا تزال بأيدينا؟

وهنا تحديداً نجح خطاب “لا” في تحويل الميزة الاقتصادية للمنطقة الاقتصادية الأوروبية إلى حجة ضد عضوية الاتحاد.

السمكة قبل اليورو

شكل قطاع الصيد الموقف الشعبي الأكبر الرافض للانضمام، إذ تُعد هذه المهنة جزءاً من الذاكرة الوطنية والصورة التي ترى بها آيسلندا نفسها دولة بحرية مستقلة، لا مجرد نشاط اقتصادي وكفى. وتصل أهمية القطاع إلى أنه يشكل 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فيما تشير تقديرات أخرى إلى وزن أكبر عند احتساب آثاره الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة. كما يمثل الصيد نسبة كبيرة من عائدات التصدير ويؤمّن آلاف الوظائف، خصوصاً خارج العاصمة.

منبع الخوف الشعبي كان أن تؤدي عضوية الاتحاد إلى إخضاع المياه الآيسلندية للسياسة السمكية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ومن يملك القرار النهائي بشأن مورد طبيعي يقع حول الجزيرة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن آيسلندا خاضت لعقود “حروب القد” مع بريطانيا دفاعاً عن توسيع نطاق مياهها الاقتصادية، وتحولت السيطرة على الموارد البحرية إلى إحدى ركائز مفهوم الاستقلال الآيسلندي الحديث. ثم جاءت “حروب الماكريل” الدبلوماسية والاقتصادية في العقد الماضي لتفتح الخلاف مجدداً بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج من جهة، وبين آيسلندا وجزر فارو من جهة ثانية بشأن حصص الصيد.

ولهذا لم يكن من السهل إقناع الصياد الآيسلندي بأن بروكسل ستمنحه استثناءات كافية. صحيح أن الحكومة المؤيدة للمفاوضات قالت إنها ستدخل التفاوض مطالبة بالسيطرة الكاملة على نظام الصيد، كما تحدث مسؤولون أوروبيون عن إمكانية البحث عن حلول مرنة، لكن خصوم العضوية يرون أن مجرد التفاوض يعني قبول مبدأ التنازل عن جزء من القرار.

العاصمة ضد الأطراف

أظهرت النتيجة واحدة من أكثر الانقسامات وضوحاً: ريكيافيك قالت “نعم”، والأقاليم الريفية قالت “لا”. فقد صوتت دائرتا العاصمة لصالح استئناف المفاوضات، بنسبة 54.5% في ريكيافيك الجنوبية و57.5% في الشمالية. في المقابل، تجاوزت نسبة الرفض 60% في مناطق الشمال الشرقي والشمال الغربي والجنوب، بينما انتهت النتيجة في المنطقة المحيطة بالعاصمة، جنوب غرب البلاد، إلى 53% ضد استئناف المفاوضات. وهذا يمثل انعكاساً لاختلاف بنيوي في الاقتصاد ونمط الحياة.

العاصمة أكثر اتصالاً بالاقتصاد العالمي، وبالجامعات، والخدمات، والتكنولوجيا، والسياحة، والشركات الدولية. أما المناطق الريفية فتظل أكثر ارتباطاً بالصيد والزراعة والموارد الطبيعية. ومن ثم فإن فكرة “السوق الأوروبية” تبدو جذابة أكثر لمن يعمل في اقتصاد معرفي أو خدمي، بينما تبدو “السيطرة على المياه” قضية وجودية لمن يعيش في بلدة يعتمد اقتصادها على مصنع أو شركة صيد.

ماذا عن الجيل الجديد؟

الصورة أكثر تعقيداً من القول إن شباب آيسلندا أكثر تأييداً لأوروبا من كبار السن. فقبل التصويت، أظهرت استطلاعات “Maskína” أن الفئات الشابة بين 18 و39 عاماً كانت تميل فعلاً إلى استئناف المفاوضات بنسبة تجاوزت 56%، لكن الفئة الأكبر سناً لم تكن متفقة بالكامل على الرفض، فمنهم من أيد الاستطلاع أيضاً، ما يكشف أن المسألة لا تختزل في صراع أجيال تقليدي.

العامل الأوضح كان التعليم والمكان. فقد بلغت نسبة التأييد 61.5% بين حاملي الشهادات الجامعية في الاستطلاع نفسه، مقابل أغلبية رافضة بين من لم يحصلوا على تعليم عالٍ. كما كان التأييد أقوى بكثير في ريكيافيك وأضعف في الشرق والغرب والشمال.

أما الشباب المؤيدون، فقد كانت حجتهم مختلفة عن حجة جيل الأزمة المالية في 2008. لم يكن اليورو وحده هو القضية؛ بل ارتفاع تكاليف المعيشة، أسعار الفائدة، فرص العمل، والسفر والدراسة والعمل داخل أوروبا. فالشاب الذي يريد شراء منزل في آيسلندا يعايش اقتصاداً ذا أجور عالية نسبياً، لكن أيضاً تضخماً وفائدة مرتفعة للغاية؛ وقد بلغت فائدة البنك المركزي 8% قبيل الاستفتاء، في حين كانت فائدة البنك المركزي الأوروبي 2.25%، ما جعل “الاستقرار النقدي” حجة قوية لمعسكر “نعم”.

الاقتصاد.. هل يحتاج فعلاً إلى الاتحاد؟

هنا أيضاً تكمن مفارقة أخرى. آيسلندا ليست دولة فقيرة تبحث عن إنقاذ. عدد سكانها يقارب 394 ألف نسمة، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من الأعلى عالمياً، بينما يعتمد اقتصادها على مزيج من السياحة والصيد وصهر الألومنيوم، إضافة إلى قطاعات جديدة مثل مراكز البيانات والطاقة المتجددة.

لكن الازدهار لا يعني استقراراً نقدياً بالضرورة. فمثلما نما الاقتصاد 1.3% في 2025، بحسب صندوق النقد الدولي، مع ترجيحات بنمو 1.8% في 2026، يتوقع أيضاً بقاء التضخم مرتفعاً بمتوسط 5.2% هذا العام، واستمرار ضغوط الأجور.

من هنا جاءت حجة مؤيدي الانضمام إلى الاتحاد، آيسلندا تستطيع أن تكون أغنى وأكثر استقراراً لو انتقلت من اقتصاد صغير شديد الحساسية للصدمات إلى آخر يرتبط مباشرة بالمؤسسات النقدية والسياسية الأوروبية.

لكن خصومهم ردوا بأن البلاد تخطّت أزمة 2008 من دون عضوية، وأن مشكلاتها الحالية، التضخم والإسكان وأسعار الفائدة والإنتاجية، ليست قضايا تستطيع بروكسل حلها بالنيابة عن ريكيافيك. فإذا لم تكن هناك ضرورة اقتصادية وفائدة مرجوة من الاتحاد الأوروبي، لماذا المخاطرة بالسيادة من أجله؟

ماذا كان سيكسب الاتحاد الأوروبي؟

بالنسبة إلى بروكسل، آيسلندا ليست سوقاً ضخمة مادياً أو بشرياً؛ لكن قيمة العضوية تتجاوز الحساب السكاني. 

أولاً، كانت آيسلندا ستمنح الاتحاد موطئ قدم أقوى في شمال الأطلسي والقطب الشمالي، وهي منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية.

ثانياً، كانت ستضيف إلى الاتحاد دولة ذات مؤسسات ديمقراطية مستقرة، واقتصاد مرتفع الدخل، وقطاع طاقة يعتمد بصورة كبيرة على المصادر المتجددة، وخبرة واسعة في إدارة الموارد البحرية.

ثالثاً، كانت ستكمل جزئياً الخريطة الأوروبية في شمال الأطلسي، إذ إن المنطقة الاقتصادية الأوروبية تضم ليختنشتاين وآيسلندا والنرويج، من دون أن تتواجد هذه الدول ضمن الاتحاد، على الرغم من أن مؤسسات الكتلة ترى بانضمامها منفعة متبادلة.

وهكذا تحولت نتيجة الاستفتاء إلى دفاع عن “الوضع القائم”، آيسلندا تريد أوروبا سوقاً وشريكاً، لا سلطة مشتركة فوق الدولة.