بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ثقافي

آلة “القمبري”.. سادِنُ الأرواح وعمودُ الذاكرة الموسيقية الإفريقية

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في عوالم موسيقى “القناوة” بالمغرب وشمال أفريقيا، لا يُعتبر “القمبري” (الذي يُعرف أيضا بـ “السنتير” أو “الهجهوج”) مجرد آلة موسيقية وترية، ولا هو “عود شعبي” يُرافق المغني. إنه “القائد” الذي لا يُنازَع؛ جسرٌ صوتي يمتد من ذاكرة العبودية وقوافل الملح والذهب، ليحطّ رحاله في طقوس العلاج بالذكر، قبل أن يعتلي اليوم منصات “الجاز” العالمية في نيويورك وباريس، حاملاً معه نبض القارة السمراء.

تشريحُ “النبض”: نصف عود.. ونصف طبل

إذا أردت أن تفهم سر “القمبري”، فعليك أن تتخيل آلة تجمع بين عالمين. تصفه المتاحف العالمية (مثل المتروبوليتان) وصفاً تقنياً دقيقاً بأنه “لوت غير مُدَرَّج” (unfretted plucked lute)، لكن روحه تكمن في هندسته الفريدة:

  • جسدٌ كقلبٍ نابض: صندوق رنّان مغطى بجلد الحيوان (غالباً جلد الإبل) مشدود بعناية فائقة، مما يجعله يعمل كـ”غشاء طبل” يضخم الذبذبات.
  • أوتارُ القيادة: ثلاثة أوتار غليظة تمنح صوتاً “باص” (Bass) عميقاً، يقود الإيقاع ولا يتبعه.

هذا المزيج يجعل العازف لا يعزف اللحن فحسب، بل يضرب على الجلد ليخلق إيقاعاً، فتصبح الآلة وكأنها “فرقة موسيقية” في قطعة خشب واحدة.

في حضرة “الليلة”: آلة تُنادي الأرواح

في الطقوس القناوية، وتحديداً في “الليلة” (طقوس الوجد والعلاج)، يتحول القمبري من آلة طرب إلى “تغراف” روحي. تشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أن القمبري لا يُعزف للتسلية هنا، بل يؤدي وظيفة “النداء”. إن صوته العميق، المعزز أحياناً بـ”السِّرسِرة” (ملحق معدني رنّان)، يمتلك شفرة خاصة لاستحضار “الملوك” أو الكيانات الروحية؛ فكل “محلة” (مقام روحي) لها نغمة خاصة لا يفهمها إلا “المعلم” والأرواح المُستحضرة. هنا، القمبري هو الطبيب، والإيقاع هو الدواء الذي ينظم الجسد والنفس في طقس “الجذبة.

الجذور العميقة: قراءة مغايرة لتاريخ الآلة

بينما تربط السرديات الشائعة الآلة بمجرد “تراث العبيد” الوافد، يقدم الروائي والباحث في ثقافات الصحراء الكبرى، عمر الأنصاري، قراءة أعمق تُعيد الآلة إلى موطنها الجغرافي واللغوي الأصلي، كاشفاً عن بُعد “جهادي” ونبيل للآلة يغفل عنه الكثيرون.

يرى الأنصاري أن “القمبري” هو آلة غرب أفريقية بامتياز، موطنها الأصلي يمتد على ضفاف نهر النيجر. ويُفكك الباحث أصل التسمية والهوية التاريخية للآلة في النقاط التالية:

لغز الاسم: يرجح أن لفظة “قناوة” نفسها قادمة من “كانو” (شمال نيجيريا الحالية)، حيث تُعرف الفرق المحلية هناك باسم “كناوة” نسبة إلى المدينة، مما يضع يده على الجذر اللغوي والجغرافي الدقيق.

الامتداد الحي: الآلة لم تنقرض في موطنها؛ إذ لا تزال حاضرة بأسماء وأنماط مختلفة لدى الطوارق وشعوب “السنغاي” في مالي، مما يؤكد وحدة الأصل الثقافي.

سياق الانتقال: لم تنتقل الآلة عبر العبودية فقط، بل عبر قرون من التبادل الثقافي والتجاري والسياسي بين المغرب وغرب أفريقيا، بدءاً من عهد المرابطين وصولاً إلى السعديين في القرن السادس عشر، عبر قوافل لم تتوقف عن نقل البضائع والأفكار والنغمات.

بين الروحانية والحروب: يضيف الأنصاري بُعداً مثيراً للاهتمام، وهو أن هذه الآلة لم تكن للدروشة فقط، بل كانت آلة “قتالية” تُعزف للأمراء في حروبهم ومناسباتهم الكبرى في ممالك غرب أفريقيا، مما يمنحها صبغة “ملكية” ومحورية في حياة تلك الشعوب قبل أن تتشكل في صورتها الصوفية الحالية في المغرب.

من “الزاوية” إلى “العالمية”

اليوم، غادر “القمبري” الزوايا المغلقة ليقف تحت أضواء المهرجانات الكبرى. ففي مهرجان “كناوة وموسيقى العالم” بالصويرة، نرى القمبري يندمج مع القيثارة الكهربائية والساكسفون. لقد تطورت الآلة تقنياً؛ تخلت في كثير من الأحيان عن “السِّرسِرة” التقليدية لصالح أنظمة التضخيم الصوتي (Amplification) لتناسب المسارح الضخمة، لكنها احتفظت بروحها.

لقد أصبح “القمبري” “لغة مشتركة” مع الجاز والبلوز؛ فكلاهما يحمل شجن التاريخ، وكلاهما يعتمد على الارتجال والنبض العميق. وكما وثقت “اليونسكو” هذا الفن كتراث عالمي، يظل “القمبري” هو “العود” الذي لا يروي قصة حب، بل يروي قصة إنسان، ورحلة طويلة من “كانو” وتمبكتو، وصولاً إلى مراكش والصويرة، شاهداً على أن الموسيقى هي الذاكرة التي لا تشيخ.