في صباحٍ بدا عادياً للأسواق، رحل الرجل الذي علّمها ألا تخاف طويلاً. آلان غرينسبان لم يكن مجرد رئيس سابق للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ولا مجرد خبير نقدي جلس على رأس أقوى بنك مركزي في العالم قرابة عقدين. كان، في لحظة من التاريخ الاقتصادي الحديث، الصوت الذي تُصغي إليه وول ستريت أكثر مما تُصغي إلى السياسة، والرجل الذي تكفي جملة مبهمة منه كي ترتفع الأسواق أو تنكمش، ويكفي صمته أحياناً كي تبحث غرف التداول عن المعنى بين الفواصل.
برحيله عن مئة عام، لا يغيب شخص بقدر ما تعود إلى الواجهة مدرسة كاملة في إدارة الخوف وعدم اليقين. مدرسة آمنت بأن البنك المركزي يستطيع أن يمنع الذعر من التحول إلى انهيار، وأن السيولة قد تكون أحياناً خط الدفاع الأخير بين اضطراب السوق وارتباك النظام. غير أن هذا الإرث ترك وراءه جدلاً لم يُحسم حتى اليوم: هل كان غرينسبان رجل الاستقرار الذي جنّب الأسواق أزمات كبرى، أم أن سياساته رسخت لدى المستثمرين اعتقاداً بأن المخاطرة يمكن أن تتم دائماً تحت مظلة الإنقاذ؟
من انهيار 1987 إلى فقاعة التكنولوجيا، ومن ازدهار التسعينيات إلى الطريق المفتوح نحو أزمة 2008، ظل اسم غرينسبان مرتبطاً بلحظة أميركية ظنت فيها الأسواق أن الحكمة النقدية قادرة على ترويض الدورات الاقتصادية. ثم جاء الانهيار الكبير ليكشف أن الاستقرار الظاهر قد يكون أحياناً أكثر أشكال الخطر خداعاً.
اليوم، لا تُقرأ وفاة “المايسترو” كخبر نعي فقط. إنها مناسبة لإعادة فتح ملف رجلٍ نجح في إدارة دورة الأعمال، لكنه أخفق في رؤية دورة المخاطر المالية وهي تكبر بصمت تحت السطح.
لحظة مراجعة
اللافت في التغطيات الأولى لوفاته أنها لم تكتفِ بلغة النعي التقليدية. بل أبرزت صورته المزدوجة: رجل قاد الفيدرالي خلال ازدهار التسعينيات، لكنه غادر التاريخ محملاً بأسئلة ما قبل الأزمة المالية. أما “رويترز” فقد شددت على أنه أدار البنك المركزي خلال صدمات كبرى، من انهيار 1987 إلى تداعيات 11 سبتمبر، قبل أن تتعرض سمعته لاهتزاز عميق بعد أزمة 2007-2009.
هذه الازدواجية هي جوهر القصة. غرينسبان لم يكن مجرد محافظ بنك مركزي خفّض ورفع الفائدة. كان صانع مناخ كامل في الأسواق. في عهده، ترسخت فكرة أن الفيدرالي قادر على تهدئة الذعر، وأن السياسة النقدية ليست فقط أداة لمكافحة التضخم، بل آلية لإدارة المخاطر. لكن هذه الفكرة نفسها تحولت لاحقاً إلى اتهام: هل علّم غرينسبان الأسواق أن البنك المركزي سيتركها تصعد، ثم ينقذها حين تنهار؟
ولادة “غرينسبان بوت”
دخل غرينسبان رئاسة الفيدرالي في 11 أغسطس/آب 1987، وبعد شهرين فقط واجه اختباراً مبكراً قاسياً: انهيار سوق الأسهم في 19 أكتوبر/تشرين الأول، يوم فقد مؤشر “داو جونز” 22.6% في جلسة واحدة. في صباح اليوم التالي، أصدر الفيدرالي بياناً قصيراً أكد فيه استعداده لتوفير السيولة دعماً للنظام الاقتصادي والمالي.
من زاوية إدارة الأزمات، بدا ذلك القرار حاسماً وناجحاً. الأسواق احتاجت إشارة ثقة، وغرينسبان وفرها بسرعة. لكن من زاوية السلوك طويل المدى للمستثمرين، بدأ هناك نمط جديد: عندما تتعرض الأصول المالية لهزة كبيرة، يتدخل الفيدرالي لحماية النظام. هذا التصور صار يعرف لاحقاً باسم “Greenspan put”، أي الرهان الضمني على أن البنك المركزي سيحد من الخسائر الكبرى عبر السيولة أو خفض الفائدة. بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند وصف المصطلح لاحقاً بأنه قراءة سوقية لنمط من تدخل الفيدرالي خلال حقبة غرينسبان.
هنا تبدأ المفارقة المركزية في إرثه. ما بدا في 1987 استجابة مسؤولة لمنع الانهيار، أصبح لاحقاً جزءاً من ثقافة مخاطرة أوسع. لم يكن غرينسبان بالضرورة يريد إنقاذ المضاربين، لكنه ساهم في تكوين توقع بأن الفيدرالي لن يسمح للذعر المالي بأن يأخذ مداه الكامل.
الحكم تحت عدم اليقين
لفهم غرينسبان يجب تجاوز الصورة السطحية له كحارس للتضخم فقط. جوهر مدرسته كان “إدارة المخاطر تحت عدم اليقين”. في خطاب جاكسون هول عام 2003، قدّم غرينسبان السياسة النقدية بوصفها عملاً قائماً على تقدير الاحتمالات والتكلفة والمخاطر، لا على اتباع قاعدة جامدة واحدة.
هذه الفلسفة منحته مرونة كبيرة. في التسعينيات، لم يتعجل خنق التوسع الاقتصادي رغم انخفاض البطالة، لأنه كان يقرأ تحولات الإنتاجية والتكنولوجيا والعولمة باعتبارها عوامل تكبح التضخم. وهذا ما جعل كثيرين يرون فيه محافظاً استثنائياً. لم يطبق النماذج الموروثة ميكانيكياً، بل قرأ الاقتصاد المتغير من داخل بياناته.
الوفرة غير العقلانية
في ديسمبر 1996، ألقى غرينسبان خطابه الشهير الذي استخدم فيه عبارة “irrational exuberance” أو “الوفرة غير العقلانية”، في إشارة إلى احتمال أن تكون أسعار الأصول قد انفصلت عن أساسياتها. العبارة دخلت القاموس المالي العالمي، لأنها صدرت من رجل كان يستطيع بجملة غامضة أن يحرك الأسواق.
لكن أهمية الخطاب لا تكمن فقط في العبارة. تكمن في التوتر الذي كشفه: غرينسبان كان يرى خطر الفقاعات، لكنه لم يكن يميل إلى استخدام السياسة النقدية لكسرها مبكراً. كان يفضّل أن يتعامل الفيدرالي مع آثار انفجار الفقاعة لا أن يحاول منعها مسبقاً برفع الفائدة أو بتشديد تنظيمي مباشر.
هذا المنطق بدأ عملياً في زمنه. فمن الصعب على بنك مركزي أن يثبت أن هناك فقاعة قبل انفجارها، ومن الأصعب أن يبرر إبطاء اقتصاد كامل بسبب ارتفاع أسعار أصول معينة. لكن أزمة 2008 غيّرت الحكم على هذه الفلسفة.
بعد الانهيار، لم يعد السؤال: لماذا لم يرفع الفيدرالي الفائدة فقط؟ بل: لماذا لم يرَ أن النظام المالي نفسه كان ينتج مخاطره الخاصة خارج مؤشرات التضخم والبطالة؟
الاعتدال العظيم… والعمى المالي
أنصار غرينسبان يملكون حججاً قوية. فقد أشرف على فترة توسع طويلة في التسعينيات، وارتبط اسمه بما عرف بـ”الاعتدال العظيم”: نمو مستقر، تضخم منخفض نسبياً، وتراجع في تقلبات الدورة الاقتصادية، فيما أشارت التقارير إلى طفرة نمو امتد من 1991 إلى 2001، وهي الفترة التي رسخت صورته كمهندس استقرار اقتصادي نادر.
لكن خصومه يملكون أيضاً حججاً لا يمكن تجاهلها. فقد أيّد تحرير الأسواق المالية، ووثق كثيراً في الانضباط الذاتي للمؤسسات، ولم يدفع بقوة كافية نحو ضبط الرهن العقاري عالي المخاطر أو المشتقات المعقدة. وبعد الأزمة المالية، أصبح السؤال الأكثر قسوة: هل كان نجاحه في الاقتصاد الكلي يخفي فشلاً في فهم دورة المخاطر المالية؟
في شهادة لاحقة عام 2008 أمام الكونغرس، أقر غرينسبان بأنه وجد “خللاً” في افتراضه المتعلق بقدرة الأسواق والمؤسسات المالية على تصحيح نفسها وحماية مصالح المساهمين. هذا الاعتراف لم يكن تفصيلاً خطابياً، بل كان لحظة انهيار جزئي لفلسفة تنظيمية كاملة: السوق قد تكون جاهزة لتسعير بعض المخاطر، لكنها ليست بالضرورة قادرة على منع المخاطر النظامية التي تصنعها جماعياً.
جدل الفائدة والفقاعة العقارية
يبقى قرار الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات متدنية خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة من أكثر الجوانب إثارة للجدل في إرث غرينسبان. فبعد انفجار فقاعة التكنولوجيا وهجمات 11 سبتمبر، تبنى المركزي سياسة نقدية تيسيرية هدفت إلى دعم النمو وتفادي الركود. إلا أن منتقدين رأوا أن انخفاض تكلفة الاقتراض أسهم في تسارع التوسع الائتماني وارتفاع أسعار المساكن، ما ساعد على تضخيم فقاعة الإسكان التي مهدت للأزمة المالية العالمية. وكان الاقتصادي جون تايلور من أبرز الأصوات التي حمّلت السياسة النقدية المتساهلة جزءاً مهماً من مسؤولية تلك الاختلالات.
الخلاصة الأكثر توازناً أن غرينسبان لم “يصنع” الأزمة بمفرده، لكنه ساعد في خلق بيئة سمحت لها بأن تكبر. الفائدة المنخفضة وحدها لا تخلق أزمة مالية عالمية، لكنها حين تجتمع مع رقابة ضعيفة، وتوريق واسع للرهون، وثقة مفرطة في نماذج المخاطر، تصبح جزءاً من سلسلة قابلة للاشتعال.
لماذا كان مؤثراً؟
لم يكن سر نفوذ غرينسبان في المنصب فقط، فرؤساء الفيدرالي جميعاً يملكون سلطة كبيرة. لكن غرينسبان أضاف إليها أسلوباً خاصاً: الغموض المحسوب. كانت تصريحاته طويلة، مركبة، وحذرة إلى درجة أن “لغة الفيدرالي” في عهده بدت فناً في قول الكثير دون إعطاء الأسواق يقيناً كاملاً.
مع ذلك، فإن حقبته شهدت بدايات مهمة في تطور اتصال الفيدرالي بالأسواق. ففي 1994 أصدرت المؤسسة النقدية بياناً فورياً بعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة، قررت فيه زيادة الضغط على أوضاع الاحتياطيات بما يرتبط بارتفاع طفيف في أسعار الفائدة قصيرة الأجل. خطوةٌ مثلت مرحلة مبكرة من انتقال المركزي من الغموض شبه الكامل إلى التواصل المؤسسي المنظم.
بهذا المعنى، كان غرينسبان شخصية انتقالية. لم يكن شفافاً بالمعنى الذي صار مألوفاً لاحقاً في عهد بن برنانكي وجانيت يلين وجيروم باول، لكنه لم يبقَ أيضاً في عالم الفيدرالي القديم حيث تكتشف الأسواق القرار من عمليات السوق المفتوحة فقط. لقد أدخل البنك المركزي إلى عصر التواصل، لكن بشروطه: الإفصاح بقدر، والغموض بقدر.
وفاة غرينسبان تأتي في زمن تعود فيه البنوك المركزية إلى قلب السياسة والإقتصاد: تضخم ما بعد الجائحة، أزمات الدين، التوترات الجيوسياسية، وأسئلة حول استقلاليتها. لذلك، فإن استعادة إرثه ليست تمريناً تاريخياً فقط، بل سؤال حاضر: كيف يجب أن يتصرف الفيدرالي عندما لا تكفي مؤشرات التضخم والبطالة لفهم الخطر؟















